يُرِيدُ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ رَتَّبَ الْقِرَاءَةَ فِي الْمُصْحَفِ إِثْرَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي الْمَسْجِدِ .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ : " مِثْلَ مَا يُصْنَعُ عِنْدَنَا إِلَى الْيَوْمِ " .
فَهَذِهِ مُحْدَثَةٌ أَعْنِي : وَضْعَهُ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْمَسْجِدِ مَشْرُوعَةٌ فِي الْجُمْلَةِ مَعْمُولٌ بِهَا ; إِلَّا أَنَّ تَخْصِيصَ الْمَسْجِدِ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ هُوَ الْمُحْدَثُ .
وَمِثْلُهُ وَضْعُ الْمَصَاحِفِ فِي زَمَانِنَا لِلْقِرَاءَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَتَحْبِيسُهَا عَلَى ذَلِكَ الْقَصْدِ .
[ الِاخْتِلَافُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِ الْبِدْعَةِ ظَاهِرَةَ الْمَأْخَذِ أَوْ مُشْكِلَةً ]
وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا ظَاهِرَةَ الْمَأْخَذِ أَوْ مُشْكِلَةً :
فَلِأَنَّ الظَّاهِرَ عِنْدَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهَا مَحْضُ مُخَالَفَةٍ ، فَإِنْ كَانَتْ مُشْكِلَةً ; فَلَيْسَتْ بِمَحْضِ مُخَالَفَةٍ ; لِإِمْكَانِ أَنْ لَا تَكُونَ بِدْعَةً ، وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْمُحْتَمَلِ أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى الظَّاهِرِ .
وَلِذَلِكَ عَدَّ الْعُلَمَاءُ تَرْكَ الْمُتَشَابِهِ مِنْ قَبِيلِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَنَبَّهَ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْمُتَشَابِهِ لِئَلَّا يَقَعَ فِي الْحَرَامِ ، فَهُوَ حِمًى لَهُ ، وَأَنَّ وَاقِعَ الْمُتَشَابِهِ وَاقِعٌ فِي الْحَرَامِ ، وَلَيْسَ تَرْكُ الْحَرَامِ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ قَبِيلِ الْمَنْدُوبِ ، بَلْ مِنْ قَبِيلِ الْوَاجِبِ ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْفِعْلِ الْمُشْتَبَهِ فِي الْبِدْعَةِ ، فَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا بَيِّنٌ .
وَإِنْ قُلْنَا : إِنَّ تَرْكَ الْمُتَشَابِهِ مِنْ بَابِ الْمَنْدُوبِ ، وَإِنَّ مُوَاقَعَتَهُ مِنْ بَابِ الْمَكْرُوهِ ; فَالِاخْتِلَافُ أَيْضًا وَاقِعٌ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ ; فَإِنَّ الْإِثْمَ فِي الْمُحَرَّمَةِ هُوَ الظَّاهِرُ ، وَأَمَّا الْمَكْرُوهَةِ ; فَلَا إِثْمَ فِيهَا فِي الْجُمْلَةِ ; مَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا مَا
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 222
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٢٢٢