الْفِرَقِ ، فَلَهُ مِنَ الْإِثْمِ الْعَظِيمِ أَوْفَرُ حَظٍّ .
وَمِثَالُهُ قِصَّةُ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ » ، وَأَخْبَارُهُمْ شَهِيرَةٌ .
وَقَدْ لَا يَخْرُجُونَ هَذَا الْخُرُوجَ ، بَلْ يَقْتَصِرُونَ عَلَى الدَّعْوَةِ ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ أَدْعَى إِلَى الْإِجَابَةِ ، لِأَنَّ فِيهِ نَوْعًا مِنَ الْإِكْرَاهِ وَالْإِخَافَةِ ، فَلَا هُوَ مُجَرَّدُ دَعْوَةٍ ، وَلَا هُوَ شَقُّ الْعَصَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَذَلِكَ أَنْ يَسْتَعِينَ عَلَى دَعْوَةٍ بِأُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْوُلَاةِ وَالسَّلَاطِينِ ; فَإِنَّ الِاقْتِدَاءَ هُنَا أَقْوَى بِسَبَبِ خَوْفِ الْوُلَاةِ فِي الْإِيقَاعِ بِالْآبِي سِجْنًا أَوْ ضَرْبًا أَوْ قَتْلًا ، كَمَا اتَّفَقَ لِبِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ فِي زَمَنِ الْمَأْمُونِ ، وَلِأَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُؤَادَ فِي خِلَافَةِ الْوَاثِقِ ، وَكَمَا اتَّفَقَ لِعُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ بِالْأَنْدَلُسِ ، إِذْ صَارَتْ وِلَايَتُهَا لِلْمَهْدِيِّينَ ، فَمَزَّقُوا كُتُبَ الْمَالِكِيَّةِ ، وَسَمَّوْهَا كُتُبَ الرَّأْيِ ، وَنَكَّلُوا بِجُمْلَةٍ مِنَ الْفُضَلَاءِ بِسَبَبِ أَخْذِهِمْ فِي الشَّرِيعَةِ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ . وَكَانُوا هُمْ مُرْتَكِبِينَ لِلظَّاهِرِيَّةِ الْمَحْضَةِ ، الَّتِي هِيَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِدْعَةٌ ظَهَرَتْ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَيَا لَيْتَهُمْ وَافَقُوا مَذْهَبَ دَاوُدَ وَأَصْحَابِهِ ! لَكِنَّهُمْ تَعَدَّوْا ذَلِكَ إِلَى أَنْ قَالُوا بِرَأْيِهِمْ ، وَوَضَعُوا لِلنَّاسِ مَذَاهِبَ لَا عَهْدَ ( لَهُمْ ) بِهَا فِي الشَّرِيعَةِ ، وَحَمَلُوهُمْ عَلَيْهَا طَوْعًا أَوْ كُرْهًا ، حَتَّى عَمَّ دَاؤُهَا فِي النَّاسِ ، وَثَبَتَتْ زَمَانًا طَوِيلًا ، ثُمَّ ذَهَبَ مِنْهَا جُمْلَةٌ وَبَقِيَتْ أُخْرَى إِلَى الْيَوْمِ ، وَلَعَلَّ الزَّمَانَ يَتَّسِعُ إِلَى ذِكْرِ جُمْلَةٍ مِنْهَا فِي أَثْنَاءِ الْكِتَابِ بِحَوْلِ اللَّهِ .
فَهَذَا الْوَجْهُ ، الْوِزْرُ فِيهِ أَعْظَمُ مِنْ مُجَرَّدِ الدَّعْوَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ :
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 220
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٢٢٠