الْأَوَّلُ : الْإِخَافَةُ وَالْإِكْرَاهُ بِالْإِسْلَامِ وَالْقَتْلِ .
وَالْآخَرُ : كَثْرَةُ الدَّاخِلِينَ فِي الدَّعْوَةِ ; لِأَنَّ الْإِعْذَارَ وَالْإِنْذَارَ الْأُخْرَوِيَّ قَدْ لَا يَقُومُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النُّفُوسِ ، بِخِلَافِ الدُّنْيَوِيِّ ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ شُرِعَتِ الْحُدُودُ وَالزَّوَاجِرُ فِي الشَّرْعِ ، وَ " إِنَّ ( اللَّهَ ) يَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُهُ بِالْقُرْآنِ " ، فَالْمُبْتَدِعُ إِذَا لَمْ يَنْتَصِرْ بِإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ بِمُجَرَّدِ الْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ الَّذِي يَعِظُ ( بِهِ ) ، حَاوَلَ الِانْتِهَاضَ بِأُولِي الْأَمْرِ ; لِيَكُونَ ذَلِكَ أَحْرَى بِالْإِجَابَةِ .
[ الِاخْتِلَافُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِ الْبِدْعَةِ حَقِيقِيَّةً أَوْ إِضَافِيَّةً ]
وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِ الْبِدْعَةِ حَقِيقِيَّةً أَوْ إِضَافِيَّةً :
فَإِنَّ الْحَقِيقِيَّةَ أَعْظَمُ وِزْرًا ، لِأَنَّهَا الَّتِي بَاشَرَهَا الْمُنْتَهِي بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ ، وَلِأَنَّهَا مُخَالَفَةٌ مَحْضَةٌ وَخُرُوجٌ عَنِ السُّنَّةِ ظَاهِرٌ ، كَالْقَوْلِ بِالْقَدَرِ ، وَالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ ، وَالْقَوْلِ بِإِنْكَارِ خَبَرِ الِوَاحِدِ ، وَإِنْكَارِ الْإِجْمَاعِ ، وَإِنْكَارِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ ، وَالْقَوْلِ بِالْإِمَامِ الْمَعْصُومِ . . . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
فَإِذَا فُرِضَتْ إِضَافِيَّةً ; فَمَعْنَى الْإِضَافِيَّةِ أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ مِنْ وَجْهٍ وَرَأْيٍ مُجَرَّدٍ مِنْ وَجْهٍ ، إِذْ يَدْخُلُهَا مِنْ جِهَةِ الْمُخْتَرِعِ رَأْيٌ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهَا ، فَلَمْ تُنَافِ الْأَدِلَّةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ .
هَذَا ، وَإِنْ كَانَتْ تَجْرِي مَجْرَى الْحَقِيقَةِ ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَبِحَسَبِ ذَلِكَ الِاخْتِلَافِ يَخْتَلِفُ الْوِزْرُ .
وَمِثَالُهُ جَعْلُ الْمَصَاحِفِ فِي الْمَسْجِدِ لِلْقِرَاءَةِ إِثْرَ الصَّلَاةِ فِيهَا .
قَالَ مَالِكٌ : " أَوَّلُ مَنْ جَعَلَ مُصْحَفًا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ " .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 221
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٢٢١