إِلَى رَأْيٍ ثَالِثٍ ، وَلَوْ كَانَ كُلُّ مَا يَقْضِي بِهِ حَقًّا ; لَكَفَى فِي إِصْلَاحِ مَعَاشِ الْخَلْقِ وَمَعَادِهِمْ ، وَلَمْ يَكُنْ لِبَعْثَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فَائِدَةٌ ، وَلَكَانَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ تُعَدُّ الرِّسَالَةُ عَبَثًا لَا مَعْنَى لَهُ ، وَهُوَ كُلُّهُ بَاطِلٌ ، فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ .
فَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُمْ قَدَّمُوا أَهْوَاءَهُمْ عَلَى الشَّرْعِ ، وَلِذَلِكَ سُمُّوا فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ وَفِي إِشَارَةِ الْقُرْآنِ : أَهْلَ الْأَهْوَاءِ ، وَذَلِكَ لِغَلَبَةِ الْهَوَى عَلَى عُقُولِهِمْ ، وَاشْتِهَارِهِ فِيهِمْ ، لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ بِالْمُشْتَقِّ إِنَّمَا يُطْلَقُ إِطْلَاقَ اللَّقَبِ إِذَا غَلَبَ مَا اشْتُقَّتْ مِنْهُ عَلَى الْمُسَمَّى بِهَا .
فَإِذًا تَأْثِيمُ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ مَرْجِعَهُ إِلَى اتِّبَاعِ الرَّأْيِ ، وَهُوَ اتِّبَاعُ الْهَوَى الْمَذْكُورِ آنِفًا .
وَالرَّابِعُ : أَنَّ كُلَّ رَاسِخٍ لَا يَبْتَدِعُ أَبَدًا ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الِابْتِدَاعُ مِمَّنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي ابْتَدَعَ فِيهِ ، حَسْبَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ ، وَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ بِحَوْلِ اللَّهِ ، فَإِنَّمَا يُؤْتَى النَّاسُ مِنْ قِبَلِ جُهَّالِهِمُ الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عُلَمَاءُ .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، فَاجْتِهَادُ مَنِ اجْتَهَدَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إِذْ لَمْ يَسْتَكْمِلْ شُرُوطَ الِاجْتِهَادِ ، فَهُوَ عَلَى أَصْلِ الْعُمُومِيَّةِ ، وَلَمَّا كَانَ الْعَامِّيُّ حَرَامًا عَلَيْهِ النَّظَرُ فِي الْأَدِلَّةِ وَالِاسْتِنْبَاطِ ، كَانَ الْمُخَضْرَمُ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْجَهَالَاتِ مِثْلَهُ فِي تَحْرِيمِ الِاسْتِنْبَاطِ وَالنَّظَرِ الْمَعْمُولِ بِهِ ، فَإِذَا أَقْدَمَ عَلَى مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ ; كَانَ آثِمًا بِإِطْلَاقٍ .
وَبِهَذِهِ الْأَوْجُهِ الْأَخِيرَةِ ; ظَهَرَ وَجْهُ تَأْثِيمِهِ ، وَتَبَيَّنَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئِ فِي اجْتِهَادِهِ ، وَسَيَأْتِي لَهُ تَقْرِيرٌ أَبْسَطُ مِنْ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 192
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص١٩٢