تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
أَغْرَاضَهُمْ . أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ( « فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ » ) ، فَأَثْبَتَ لَهُمُ الزَّيْغَ أَوَّلًا ، وَهُوَ الْمَيْلُ عَنِ الصَّوَابِ ، ثُمَّ اتِّبَاعَ الْمُتَشَابِهِ وَهُوَ خِلَافُ الْمُحْكَمِ الْوَاضِحِ الْمَعْنَى ، الَّذِي هُوَ أُمُّ الْكِتَابِ وَمُعْظَمُهُ . وَمُتَشَابِهُهُ عَلَى هَذَا قَلِيلٌ ، فَتَرَكُوا اتِّبَاعَ الْمُعْظَمِ إِلَى اتِّبَاعِ الْأَقَلِّ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يُعْطِي مَفْهُومًا وَاضِحًا ; ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ، وَطَلَبًا لِمَعْنَاهُ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ ، أَوْ يَعْلَمُهُ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ، وَلَيْسَ إِلَّا بِرَدِّهِ إِلَى الْمُحْكَمِ وَلَمْ يَفْعَلِ الْمُبْتَدِعَةُ ذَلِكَ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ أَوَّلًا فِي مُطَالَبَةِ الشَّرْعِ بِشَهَادَةِ اللَّهِ . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ } [ الأنعام : 159 ] الْآيَةَ ، فَنَسَبَ إِلَيْهِمُ التَّفْرِيقَ ، وَلَوْ كَانَ التَّفْرِيقُ مِنْ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ ; لَمْ يَنْسُبْهُ إِلَيْهِمْ ، وَلَا أَتَى بِهِ فِيمَعْرِضِ الذَّمِّ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا بِاتِّبَاعِ الْهَوَى . وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } [ الأنعام : 153 ] ، فَجَعَلَ طَرِيقَ الْحَقِّ وَاضِحًا مُسْتَقِيمًا ، وَنَهَى عَنِ الْبُنَيَّاتِ ، وَالْوَاضِحُ مِنَ الطُّرُقِ وَالْبُنَيَّاتُ ; كُلُّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالْعَوَائِدِ الْجَارِيَةِ ، فَإِذَا وَقَعَ التَّشْبِيهُ بِهَا بِطَرِيقِ الْحَقِّ مَعَ الْبُنَيَّاتِ فِي الشَّرْعِ ، فَوَاضِحٌ أَيْضًا ، فَمَنْ تَرَكَ الْوَاضِحَ وَاتَّبَعَ غَيْرَهُ ، فَهُوَ مُتَّبِعٌ لِهَوَاهُ لَا لِلشَّرْعِ . وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ } [ آل عمران : 105 ]