تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
وَكَوْنُ الشَّارِعِ يَسْتَحْسِنُهَا دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا ، إِذْ لَوْ قَالَ الشَّارِعُ : الْمُحْدَثَةُ الْفُلَانِيَّةُ حَسَنَةٌ ; لَصَارَتْ مَشْرُوعَةً ; كَمَا أَشَارُوا إِلَيْهِ فِي الِاسْتِحْسَانِ حَسْبَمَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَلَمَّا ثَبَتَ ذَمُّهَا ، ثَبَتَ ذَمُّ صَاحِبِهَا ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَذْمُومَةٍ مِنْ حَيْثُ تَصَوُّرِهَا فَقَطْ ، بَلْ مِنْ حَيْثُ اتَّصَفَ بِهَا الْمُتَّصِفُ ، فَهُوَ إذًا الْمَذْمُومُ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَالذَّمُّ خَاصُّ التَّأْثِيمِ ، فَالْمُبْتَدِعُ مَذْمُومٌ آثِمٌ ، وَذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ . وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْأَدِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ ; إِنْ جَاءَتْ فِيهِمْ نَصًّا ; فَظَاهِرٌ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } [ الأنعام : 159 ] ، وَقَوْلِهِ : { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ } [ آل عمران : 105 ] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : « فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي » . . . . الْحَدِيثَ ، إِلَى سَائِرِ مَا نُصَّ فِيهِ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ كَانَتْ نَصًّا فِي الْبِدْعَةِ ; فَرَاجِعَةُ الْمَعْنَى إِلَى الْمُبْتَدِعِ مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ ، وَإِذَا رَجَعَ الْجَمِيعُ إِلَى ذَمِّهِمْ ، رَجَعَ الْجَمِيعُ إِلَى تَأْثِيمِهِمْ . وَالثَّانِي : أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْهَوَى هُوَ الْمُتَّبَعُ الْأَوَّلُ فِي الْبِدَعِ ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ السَّابِقُ فِي حَقِّهِمْ ، وَدَلِيلُ الشَّرْعِ كَالتَّبَعِ فِي حَقِّهِمْ ، وَلِذَلِكَ تَجِدُهُمْ يَتَأَوَّلُونَ كُلَّ دَلِيلٍ خَالَفَ هَوَاهُمْ ، وَيَتَّبِعُونَ كُلَّ شُبْهَةٍ وَافَقَتْ