فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَجِيءِ الْبَيَانِ الشَّافِي ، وَأَنَّ التَّفَرُّقَ إِنَّمَا حَصَلَ مِنْ جِهَةِ الْمُتَفَرِّقِينَ لَا مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ ، فَهُوَ إذًا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ ، وَهُوَ اتِّبَاعُ الْهَوَى بِعَيْنِهِ .
وَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا كَثِيرَةٌ ، تُشِيرُ أَوْ تُصَرِّحُ بِأَنَّ كُلَّ مُبْتَدِعٍ إِنَّمَا يَتَّبِعُ هَوَاهُ ، وَإِذَا اتَّبَعَ هَوَاهُ كَانَ مَذْمُومًا وَآثِمًا ، وَالْأَدِلَّةُ عَلَيْهِ أَيْضًا كَثِيرَةٌ :
كَقَوْلِهِ ( : { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ } [ القصص : 50 ] .
وَقَوْلِهِ : ) { وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } [ ص : 26 ] .
وَقَوْلِهِ : ) { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } [ الكهف : 28 ] .
وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَإِذًا كُلُّ مُبْتَدِعٍ مَذْمُومٌ آثِمٌ .
وَالثَّالِثُ : أَنَّ عَامَّةَ الْمُبْتَدِعَةِ قَائِلَةٌ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ [ الْعَقْلِيِّ ] ، فَهُوَ عُمْدَتُهُمُ الْأُولَى ، وَقَاعِدَتُهُمُ الَّتِي يَبْنُونَ عَلَيْهَا الشَّرْعَ ، فَهُوَ الْمُقَدَّمُ فِي نِحَلِهِمْ ، بِحَيْثُ لَا يَتَّهِمُونَ الْعَقْلَ ، وَقَدْ يَتَّهِمُونَ الْأَدِلَّةَ إِذَا لَمْ تُوَافِقْهُمْ فِي الظَّاهِرِ ، حَتَّى يَرُدُّوا كَثِيرًا مِنَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ .
وَقَدْ عَلِمْتَ أَيُّهَا النَّاظِرُ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا يَقْضِي بِهِ الْعَقْلُ يَكُونُ حَقًّا ، وَلِذَلِكَ تَرَاهُمْ يَرْتَضُونَ الْيَوْمَ مَذْهَبًا ، وَيَرْجِعُونَ عَنْهُ غَدًا ، ثُمَّ يَصِيرُونَ بَعْدَ غَدٍ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 191
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص١٩١