تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
الْأَدِلَّةِ إِذَا دَلَّ عَلَى أَمْرٍ بِظَاهِرِهِ ، فَهُوَ الْحَقُّ ، فَإِنْ جَاءَ عَلَى مَا ظَاهِرُهُ الْخِلَافُ ; فَهُوَ النَّادِرُ وَالْقَلِيلُ ، فَكَانَ مِنْ حَقِّ الظَّاهِرِ رَدُّ الْقَلِيلِ إِلَى الْكَثِيرِ ، وَالْمُتَشَابِهِ إِلَى الْوَاضِحِ . غَيْرَ أَنَّ الْهَوَى زَاغَ بِمَنْ أَرَادَ اللَّهُ زَيْغَهُ ، فَهُوَ فِي تِيهٍ مِنْ حَيْثُ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ ; بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُبْتَدِعِ ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَ الْهِدَايَةَ إِلَى الْحَقِّ أَوَّلَ مَطَالِبِهِ ، وَأَخَّرَ هَوَاهُ إِنْ كَانَ فَجَعَلَهُ بِالتَّبَعِ ، فَوَجَدَ جُمْهُورَ الْأَدِلَّةِ وَمُعْظَمَ الْكِتَابِ وَاضِحًا فِي الطَّلَبِ الَّذِي بَحَثَ عَنْهُ ، فَوَجَدَ الْجَادَّةَ ، وَمَا شَذَّ لَهُ عَنْ ذَلِكَ ; فَإِمَّا أَنْ يَرُدَّهُ إِلَيْهِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكِلَهُ إِلَى عَالِمِهِ ، وَلَا يَتَكَلَّفُ الْبَحْثَ عَنْ تَأْوِيلِهِ . وَفَيْصَلُ الْقَضِيَّةِ بَيْنَهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ } [ آل عمران : 7 ] ، إِلَى قَوْلِهِ : { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا } [ آل عمران : 7 ] . فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى مَنْ هَذِهِ حَالُهُ مُبْتَدِعًا وَلَا ضَالًّا ، وَإِنْ حَصَلَ فِي الْخِلَافِ أَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ . أَمَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُبْتَدِعٍ ; فَلِأَنَّهُ اتَّبَعَ الْأَدِلَّةَ ; مُلْقِيًا إِلَيْهَا حِكْمَةَ الِانْقِيَادِ ، بَاسِطًا يَدَ الِافْتِقَارِ ، مُؤَخِّرًا هَوَاهُ ، وَمُقَدِّمًا لِأَمْرِ اللَّهِ . وَأَمَّا كَوْنُهُ غَيْرَ ضَالِّ ; فَلِأَنَّهُ عَلَى الْجَادَّةِ سَلَكَ ، وَإِلَيْهَا لَجَأَ ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْهَا يَوْمًا فَأَخْطَأَ ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ ، بَلْ يَكُونُ مَأْجُورًا حَسْبَمَا بَيَّنَهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ : " « إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ ; فَلَهُ أَجْرٌ ، وَإِنْ أَصَابَ ; فَلَهُ