حَسْبَمَا تَقَدَّمَ وَاشْتِهَارًا وَانْتِشَارًا ، فَعَلَى وَزْنِ ذَلِكَ يَكُونُ إِثْمُ الْمُبْتَدِعِ لَهَا ، كَمَا أَنَّ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً ; كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
وَأَيْضًا ، فَإِذَا كَانَتْ كُلُّ بِدْعَةٍ يَلْزَمُهَا إِمَاتَةُ سُّنَّةٍ تُقَابِلُهَا ; كَانَ عَلَى الْمُبْتَدِعِ إِثْمُ ذَلِكَ أَيْضًا ، فَهُوَ إِثْمٌ زَائِدٌ عَلَى إِثْمِ الِابْتِدَاعِ ، وَذَلِكَ الْإِثْمُ يَتَضَاعَفُ تَضَاعُفَ إِثْمِ الْبِدْعَةِ بِالْعَمَلِ بِهَا ، لِأَنَّهَا كُلَّمَا تَجَدَّدَتْ فِي قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ ; تَجَدَّدَتْ فِي قَوْلِ إِمَاتَةِ السُّنَّةِ كَذَلِكَ .
وَاعْتَبَرُوا ذَلِكَ بِبِدْعَةِ الْخَوَارِجِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَّفَنَا بِأَنَّهُمْ : « يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ » . . . . . الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ ، فَفِيهِ بَيَانُ أَنَّهُمْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مِنَ الدِّينِ إِلَّا مَا إِذَا نَظَرَ فِيهِ النَّاظِرُ ; شَكَّ فِيهِ وَتَمَارَى : هَلْ هُوَ مَوْجُودٌ فِيهِمْ أَمْ لَا ؟ وَإِنَّمَا سَبَبُهُ الِابْتِدَاعُ فِي دِينِ اللَّهِ ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : « يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ » ، وَقَوْلُهُ : « يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يَتَجَاوَزُ تَرَاقِيَهُمْ » فَهَذِهِ بِدَعٌ ثَلَاثٌ ، إِعَاذَةً بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ .
[ الْمُبْتَدِعُ لَيْسَ لَهُ تَوْبَةٌ ]
وَأَمَّا أَنَّ صَاحِبَهَا لَيْسَ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ :
فَلِمَا جَاءَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : « إِنَّ اللَّهَ حَجَرَ التَّوْبَةَ عَلَى كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ » .
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ ، قَالَ : " كَانَ يُقَالُ : يَأْبَى اللَّهُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ بِتَوْبَةٍ ، وَمَا انْتَقَلَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ ; إِلَّا إِلَى أَشَرَّ مِنْهَا " .
وَنَحْوُهُ عَنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ; قَالَ : " مَا كَانَ رَجُلٌ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 162
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص١٦٢