تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
الملتزم وبالجحود تارك لذلك
شرح
الملتزم وبالجحود تارك لذلك ) ش : أي للحفظ الملتزم . وفي " المبسوط " إنما يتضمن بالمنع بعد الطلب لا بالجحود وبالجحود يحصل المنع بعد الطلب . قيل ولو سلم أن الجحود غصب حقيقة كما قال بعض أصحابنا ، ولكنه ليس بغصب موجب للضمان كغصب الخمر والخنزير في حق المسلم ، وهذا الموضع هو الذي وعد المصنف قبل باب السلم بقوله : وبينته في الغصب عند قوله : ومن باع دارا لرجل فأدخلها المشتري في بنائه لم يضمن البائع عند أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ - وهو قول أبي يوسف آخرا . فإن قلت : قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « من غصب شبرا من الأرض طوقه الله به يوم القيامة عن سبع أرضين » صريح في إطلاق اسم الغصب في الدور والعقار ، فلو لم يكن الغصب متحققا فيها لم يطلق ، والكلام على حقيقته ما لم يقم دليل على المجاز . قلت : الحديث لا يدل على ذلك ؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل جزاء غصب الأرض التطويق يوم القيامة . ولو كان الضمان واجبا لبينه ؛ لأن الضمان في أحكام الدنيا ، والحاجة إليه أمس . والمذكور جميع جزائه ، فمن زاد عليه كان نسخا ، وذا لا يجوز بالقياس وإطلاق لفظ الغصب عليه لا يدل على تحقيق الغصب الموجب للضمان ، كما أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أطلق لفظ البيع على الحر بقوله من باع حرا ، ولا يدل ذلك على البيع الموجب لحكم ، على أنه جاء في الصحيحين الحكم بلفظ أخذ ، فقال : « من أخذ شبرا من الأرض ظلما ، فإنه يطوقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين » فعلم أن المراد من الغصب الأخذ ظلما لا غصبا موجبا للضمان . فإن قلت : قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « على اليد ما أخذت حتى ترد » يدل على ذلك بإطلاقه ، والتقييد بالمنقول خلافه . قلت : هذا مجاز ؛ لأن الأخذ حقيقة لا يتصور في العقار ؛ لأن حد الأخذ أن يصير المأخوذ تبعا ليده ؛ لأنه مفعول فيه فكان منصرفا إلى المنقول ضرورة ليعمل بالأخذ على حقيقته . فإن قلت : إزالة اليد ليست بشرط في الغصب ، كما لو ركب الدابة وهلكت من غير فعل فإنه يضمنها بالإجماع ، وكما لو وهب دارا لرجل بما فيها من الأمتعة فهلكت الأمتعة قبل أن ينقلها الموهوب له ، ثم استحقت الدار فللمستحق أن يضمن الموهوب له بلا خلاف ، والمسألة في الزيادات ولم تزل إلا منفعته من يد المالك ليست بشرط .
البناية شرح الهداية — صفحة 193 | العيني