- عَلَى مَذْهَبِهِ - إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا عِلْمَ إلا بمعلم ، وأرسله عاجزاً مضعوفاً ، لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ مَا عَلِمَ ، فَكَأَنَّهُ مَا عَلَّمَهُ وَمَا بَعَثَهُ . وَهَذَا عَجْزٌ مِنْهُ وَجَوْرٌ ، لَا سيَّما عَلَى مَذْهَبِهِمْ . فَرَأَوْا مِنَ الْكَلَامِ مَا لَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يَقُومُوا مَعَهُ بِقَائِمَةٍ ، وَشَاعَ الْحَدِيثُ ، فَرَأَى رَئِيسُ الْبَاطِنِيَّةِ المُسَمَّيْن بِالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ أَنْ يَجْتَمِعَ مَعِي . فَجَاءَنِي أَبُو الْفَتْحِ إلى مجلس الفقيه الدبيقي ، وقال لي : إِنَّ رَئِيسَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ رَغِبَ فِي الْكَلَامِ مَعَكَ ، فقلت : أنا مشغول ، فقال : هاهنا مَوْضِعٌ مرتَّب قَدْ جَاءَ إِلَيْهِ ، وَهُوَ مَحْرَسُ الطَّبَرَانيين - مَسْجِدٌ فِي قَصْرٍ عَلَى الْبَحْرِ - ، وَتَحَامَلَ عَلَيَّ ، فقمت ما بين حشمة وحسبة ، ودخلنا قصر الْمَحْرَس ، وصعدنا إِلَيْهِ ، فَوَجَدْتُهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا فِي زَاوِيَةِ الْمَحْرَسِ المشرقية ، فرأيت النكراء فِي وُجُوهِهِمْ ، فَسَلَّمْتُ ، ثُمَّ قَصَدْتُ جِهَةَ الْمِحْرَابِ ، فَرَكَعْتُ عِنْدَهُ رَكْعَتَيْنِ ، لَا عَمَلَ لِي فِيهِمَا إِلَّا تَدْبِيرُ الْقَوْلِ مَعَهُمْ ، وَالْخَلَاصُ مِنْهُمْ . فَلَعَمْرُ الَّذِي ( 1 ) قَضَى عَلَيَّ بِالْإِقْبَالِ إِلَى أَنْ أُحَدِّثَكُمْ ، إِنْ كُنْتُ رَجَوْتُ الْخُرُوجَ عَنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ أبداً ، ولقد كنت أنظر إلى الْبَحْرِ يَضْرِبُ فِي حِجَارَةٍ سُودٍ مُحَدَّدَةٍ تَحْتَ طَاقَاتِ الْمَحْرَسِ ، فَأَقُولُ : هَذَا قَبْرِي الَّذِي يَدْفِنُونِي فِيهِ ، وَأُنْشِدُ فِي سِرِّي :
أَلَا هَلْ إِلَى الدُّنْيَا مَعَادٌ ؟ وَهَلْ لَنَا . . . سِوَى الْبَحْرِ قَبْرٌ ؟ أَوْ سِوَى الْمَاءِ أَكْفَانُ
وَهِيَ ( 2 ) كَانَتِ الشِّدَّةَ الرابعة من شدائد عمري التي أَنْقَذَنِي اللَّهُ مِنْهَا ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ اسْتَقْبَلْتُهُمْ وَسَأَلْتُهُمْ عَنْ أَحْوَالِهِمْ عَادَةً ، وَقَدِ اجْتَمَعَتْ إليَّ نَفْسِي ، وَقُلْتُ : أَشْرَفُ مِيتَةٍ فِي أَشْرَفِ مَوْطِنٍ أُنَاضِلُ فِيهِ عَنِ الدِّينِ . فَقَالَ لِي أَبُو الْفَتْحِ - وَأَشَارَ إِلَى فَتًى حَسَنِ الْوَجْهِ - : هَذَا سَيِّدُ الطائفة ومقدَّمها ، فدعوت له وسكتّ ، فبدرني وقال لي : قد بلغتني مجالسك ، وانتهى إِلَيَّ كَلَامُكَ ، وَأَنْتَ تَقُولُ : قَالَ اللَّهُ وَفَعَلَ الله ، فَأَيُّ شَيْءٍ هُوَ اللَّهُ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ ؟ ! أَخْبِرْنِي وَاخْرُجْ عَنْ هَذِهِ المَخْرَقَة ( 3 ) الَّتِي جَازَتْ لك على هذه
هامش
( 1 ) في ( ر ) : " فلعمر الله " ، ثم صوبت في الهامش .
( 2 ) قوله : " وهي " من ( ر ) فقط .
( 3 ) أي : الكذب والاختلاق .