تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
ثُمَّ نَزَلْتُ إِلَى السَّاحِلِ لِأَغْرَاضٍ ، وَكَانَ مَمْلُوءًا مِنْ هَذِهِ النِّحَلِ الْبَاطِنِيَّةِ والإِمامية ، فَطُفْتُ فِي مُدُنِ السَّاحِلِ لِتِلْكَ الْأَغْرَاضِ نَحْوًا مِنْ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ ، وَنَزَلْتُ عَكَّا ( 1 ) ، وَكَانَ رَأْسَ الإِمامية بِهَا حينئذٍ أَبُو الْفَتْحِ العَكِّي ، وَبِهَا مِنْ أَهْلِ السنة شيخ يقال له : الفقيه الدبيقي ، فَاجْتَمَعْتُ بِأَبِي الْفَتْحِ فِي مَجْلِسِهِ وَأَنَا ابْنُ الْعِشْرِينَ ، فَلَمَّا رَآنِي صَغِيرَ السِّنِّ ، كَثِيرَ الْعِلْمِ ، متدرِّباً ، وَلِعَ بِي ، وَفِيهِمْ - لَعَمْرُ اللَّهِ ! وَإِنْ كَانُوا عَلَى بَاطِلٍ - انْطِبَاعٌ وَإِنْصَافٌ وَإِقْرَارٌ بِالْفَضْلِ إذا ظهر ، فكان لا يفارقني ، ويساومني في الجدال ولا يفاترني ، فتكلمت على إبطال مذهب الإمامية ، والقول بالتعليم مِنَ الْمَعْصُومِ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ . وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّ لِلَّهِ فِي عِبَادِهِ أسراراً وأحكاماً ، والعقل لا يستقلّ بإدراكها ، فَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ قِبَلِ إِمَامٍ مَعْصُومٍ . فَقُلْتُ لَهُمْ : أَمَاتَ الْإِمَامُ المبلِّغ عَنِ اللَّهِ لِأَوَّلِ مَا أَمَرَهُ بِالتَّبْلِيغِ أَمْ هُوَ مُخَلَّد ؟ فَقَالَ لِي : " مَاتَ " ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَذْهَبِهِ ، وَلَكِنَّهُ تستَّر مَعِي . فَقُلْتُ : هَلْ خَلَفَهُ أَحَدٌ ؟ فقال : خَلَفَهُ وصيُّه عَليّ . فقلت : فهل قضى بالحق وأنفذه ؟ أم لا ؟ قال : لم يتمكَّن بغلبة الْمُعَانِدِ . قُلْتُ : فَهَلْ أَنْفَذَهُ حِينَ قَدَرَ ؟ قَالَ : مَنَعَتْهُ التَّقِيَّةُ وَلَمْ تُفَارِقْهُ إِلَى الْمَوْتِ ، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَقْوَى تَارَةً ، وَتَضْعُفُ أُخْرَى ، فَلَمْ يمكن إلاّ المُدَاراة لِئَلَّا تَنْفَتِحَ عَلَيْهِ أَبْوَابُ الِاخْتِلَالِ . قُلْتُ : وَهَذِهِ المداراة حق أم لا ؟ قال : بَاطِلٌ أَبَاحَتْهُ الضَّرُورَةُ . قُلْتُ : فَأَيْنَ الْعِصْمَةُ ؟ قَالَ : إِنَّمَا تُغْنِي الْعِصْمَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ ، قُلْتُ : فَمَنْ بَعْدَهُ إِلَى الْآنَ وَجَدُوا الْقُدْرَةَ أَمْ لَا ؟ قال : لا . قلت : فالدين مهمل ، والحق خامل ؟ قَالَ : سَيَظْهَرُ . قُلْتُ : بِمَنْ ؟ قَالَ : بِالْإِمَامِ الْمُنْتَظَرِ . قُلْتُ : لَعَلَّهُ الدَّجَّالُ ؟ فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ إِلَّا ضَحِكَ ، وَقَطَعْنَا الْكَلَامَ عَلَى غَرَضٍ مِنِّي لِأَنِّي خفت أن أفحمه فَيَنْتَقِمُ مِنِّي فِي بِلَادِهِ . ثُمَّ قُلْتُ : وَمِنْ أَعْجَبِ مَا فِي هَذَا الْكَلَامِ : أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا أَوْعَزَ إِلَى مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ فَقَدْ ضيَّع فَلَا عِصْمَةَ لَهُ . وَأَعْجَبُ مِنْهُ : أن الباري تعالى
هامش
( 1 ) وهي بلد على ساحل بحر الشام كما في " معجم البلدان " ( 4 / 143 ) .