تَجِدُ ( 1 ) فِرْقَةً تَنْقُضُ مَذْهَبَهَا بِنَفْسِ الْمَذْهَبِ سِوَى هذه الفرقة ( 2 ) الَّتِي هِيَ الْبَاطِنِيَّةُ ؛ إِذ مَذْهَبُهَا إِبطال النَّظَرِ ، وتغيير الأَلفاظ عن موضوعاتها ( 3 ) بِدَعْوَى الرَّمْزِ ، وَكُلُّ مَا يُتَصَوَّرُ أَن تَنْطِقَ بِهِ أَلسنتهم فإِما نَظَرٌ أَو نَقْلٌ ، أَما النظر فقد أَبطلوه ، وأَما النقل فَقَدْ جوَّزوا أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ غَيْرُ مَوْضُوعِهِ ، فَلَا يَبْقَى لَهُمْ مُعْتَصِمٌ ( 4 ) ، وَالتَّوْفِيقُ بِيَدِ اللَّهِ .
وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي " الْعَوَاصِمِ " ( 5 ) مأْخذاً آخَرَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ أَسهل مِنْ هَذَا - وَقَالَ : إِنهم ( 6 ) لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِ - ، وَهُوَ أَن يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ مَا يَدْعُونَهُ السُّؤَالَ بِ - " لِمَ ؟ " خَاصَّةً ، فَكُلُّ مَنْ وَجَّهْتَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ سُقِطَ فِي يَدِهِ ، وَحَكَى فِي ذَلِكَ حكاية ظريفة يحسن موقعها هاهنا ( 7 ) .
قال ابن العربي ( 8 ) : خَرَجْتُ مِنْ بِلَادِي عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَلَمْ أَلْقَ في طريقي إلا مهتدياً ، حتى بَلَغْتُ هَذِهِ الطَّائِفَةَ - يَعْنِي الْإِمَامِيَّةَ وَالْبَاطِنِيَّةَ مِنْ فرق الشيعة - ، فهي أول بدعة لقيت ، فلو فجأتني بدعة مشتبهة كالقول بخلق القرآن ، أَوْ نَفْيِ الصِّفَاتِ ، أَوِ الْإِرْجَاءِ ؛ لَمْ آمَنْ الشيطان . فَلَمَّا رَأَيْتُ حَمَاقَاتِهِمْ أَقَمْتُ عَلَى حَذَرٍ ، وَتَرَدَّدْتُ فِيهَا عَلَى أَقْوَامٍ أَهْلِ عَقَائِدَ سَلِيمَةٍ ، وَلَبِثْتُ بَيْنَهُمْ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى الشَّامِ فوردت بيت المقدس ، فألفيت فيها ثمانياً وعشرين حلقة ومدرستين : مدرسة للشافعية بباب الأسباط ، وأخرى للحنفية ، وكان فيه من رؤوس العلماء ، ورؤوس الْمُبْتَدِعَةِ ، وَمِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَثِيرٌ ، فَوَعَيْتُ الْعِلْمَ ، وَنَاظَرْتُ كُلَّ طَائِفَةٍ بِحَضْرَةِ شَيْخِنَا أَبِي بكر الفهري وغيره من أهل السنة .
هامش
( 1 ) في ( م ) : " لا نجد " .
( 2 ) قوله : " الفرقة " ليس في ( خ ) و ( م ) .
( 3 ) في ( خ ) : " موضوعها " .
( 4 ) في ( غ ) : " معصوم " .
( 5 ) صفحة ( 44 ) .
( 6 ) في ( غ ) و ( ر ) : " إنه " .
( 7 ) في ( غ ) و ( ر ) : " هاهنا موقعها " .
( 8 ) في " العواصم " ( ص 45 - 53 ) ، وسبق أن أورد المصنف كلام ابن العربي هذا في المجلد الأول ( ص 260 ) ، مع بعض الاختلاف ، ولم ترد هذه القصة في ( خ ) و ( م ) ؛ اكتفاء بورودها في أول موضع .