تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
أَجْتَمِعَ بِهَذَا الْعَالِمِ مَا رَحَلْتُ إِلَّا عَرِيًّا عن نادرة الأيام ، انظر إلى حذفه بالكلام ومعرفته ؛ قَالَ لِي : أَيُّ شَيْءٍ هُوَ اللَّهُ ؟ وَلَا يسأل مثل هَذَا إِلَّا مِثْلُهُ . وَلَكِنْ بَقِيَتْ هَاهُنَا نُكْتَةٌ لا بد أَنْ نَأْخُذَهَا الْيَوْمَ عَنْهُ ، وَتَكُونُ ضِيَافَتُنَا عِنْدَهُ . لِمَ قُلْتَ : " أَيُّ شَيْءٍ هُوَ اللَّهُ " ؟ فَاقْتَصَرْتَ مِنْ حُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى " أَيِّ " ، وَتَرَكْتَ الْهَمْزَةَ وهل وكيف وأين وكم وما ، وهي أَيْضًا مِنْ ثَوَانِي حُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ ، وعَدَلْتَ عَنِ اللام ( 1 ) من حروفه ، فهذا سؤال ثاني عن حكمة ثانية ، ولأي معنيان فِي الِاسْتِفْهَامِ ، فَأَيَّ الْمَعْنَيَيْنِ قَصَدْتَ بِهَا ؟ ولِمَ سألتَ بِحَرْفٍ مُحْتَمِلٍ ( 2 ) ؟ وَلَمْ تَسْأَلْ بِحَرْفٍ مُصَرِّحٍ بمعنى واحد ؟ هل وقع ذلك منك بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا قَصْدِ حِكْمَةٍ ؟ أَمْ بِقَصْدِ حِكْمَةٍ ؟ فبيِّنْها لَنَا . فَمَا هُوَ إِلَّا أَنِ افْتَتَحْتُ هَذَا الْكَلَامَ ، وَانْبَسَطْتُ فِيهِ ، وَهُوَ يَتَغَيَّرُ ، حَتَّى اصفرَّ آخِرًا مِنَ الوَجَل ، كَمَا اسْوَدَّ أَوَّلًا مِنَ الْحِقْدِ ، وَرَجَعَ أَحَدُ أَصْحَابِهِ الَّذِي كَانَ عَنْ يَمِينِهِ إِلَى آخَرَ كَانَ بِجَانِبِهِ ، وَقَالَ لَهُ : مَا هَذَا الصَّبِيُّ إِلَّا بَحْرٌ زَاخِرٌ مِنَ الْعِلْمِ ، مَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ قَطُّ ، وهم ما رأوا أحداً به رَمَقٌ ؛ لِأَنَّ الدَّوْلَةَ لَهُمْ ، وَلَوْلَا مَكَانُنَا مِنْ رِفْعَةِ الدولة ملك الشام ، وأن والي عكا كان يحظينا ، مَا تخلَّصت مِنْهُمْ فِي الْعَادَةِ ( 3 ) أَبَدًا . وَحِينَ سَمِعْتُ تِلْكَ الْكَلِمَةَ مِنْ إِعْظَامِي ؛ قُلْتُ : هَذَا مَجْلِسٌ عَظِيمٌ ، وَكَلَامٌ طَوِيلٌ ، يَفْتَقِرُ إِلَى تَفْصِيلٍ ، ولكن يتواعد إِلَى يَوْمٍ آخَرَ ، وَقُمْتُ وَخَرَجْتُ فَقَامُوا كُلُّهُمْ مَعِي ، وَقَالُوا : لَا بُدَّ أَنْ تَبْقَى قَلِيلًا ، فَقُلْتُ : لَا ، وَأَسْرَعْتُ حَافِيًا وَخَرَجْتُ عَلَى الْبَابِ أغدو حتى أشرفت على قارعة الطريق ، وبقيت هنالك مُبَشِّرًا نَفْسِي بِالْحَيَاةِ ، حَتَّى خَرَجُوا بَعْدِي ، وَأَخْرَجُوا لي [ لالكي ] ( 4 ) ، وَلَبِسْتُهَا ، وَمَشَيْتُ مَعَهُمْ مُتَضَاحِكًا ، وَوَعَدُونِي بِمَجْلِسٍ آخَرَ فَلَمْ أُوْفِ لَهُمْ ، وَخِفْتُ وَفَاتِي فِي وَفَائِي .
هامش
( 1 ) في ( غ ) و ( ر ) : " الام " . ( 2 ) في ( غ ) : " مكتمل " . ( 3 ) في ( غ ) : " الغادة " . ( 4 ) في ( ر ) و ( غ ) : " الألكى " ، وتقدم على الصواب في ( 1 / 269 ) ، وكذا هو على الصواب =