فَكَلَامُ مَالِكٍ هُنَا لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنه لَمْ يَحْفَظِ الْحَدِيثَ ( 1 ) كَمَا توهَّم بعضُهم ، بَلْ لَعَلَّ كَلَامَهُ مُشْعِرٌ بأَنه يَعْلَمُهُ ، لَكِنَّهُ ( 2 ) لَمْ يَرَ الْعَمَلَ عَلَيْهِ وإِن كَانَ مُسْتَحَبًّا فِي الأَصل ؛ لِئَلَّا يَكُونَ ذَرِيعَةً لِمَا قَالَ ، كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي الأُضحية ، وَعُثْمَانُ فِي الإِتمام فِي السَّفَرِ ( 3 ) .
وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ مَا هُوَ أَغرب مِنْ هَذَا - وإِن كَانَ هُوَ الأَصل - ، فَذَكَرَ : أَن النَّاسَ كَانُوا إِذا صَلّوا فِي الصَّحْن مِنْ جَامِعِ الْبَصْرَةِ أَو الكوفة ، وَرَفَعُوا مِنَ السُّجُودِ ؛ مَسَحُوا جِباهَهُمْ مِنَ التُّراب ؛ كأَنه ( 4 ) كان مفروشاً بالتراب ، فأَمر زياد بإِلقاءِ الحصى في صحن المسجد ، وقال : لستُ آمَنُ أَن يَطُولَ ( 5 ) الزَّمَانُ ، فَيَظُنُّ الصَّغِيرُ إِذا نشأَ أَن مَسْحَ الْجَبْهَةِ مِنْ أَثر السُّجُودِ سُنَّة فِي الصَّلَاةِ .
وَهَذَا فِي مُبَاحٍ ، فَكَيْفَ بِهِ فِي الْمَكْرُوهِ أَو الْمَمْنُوعِ ؟
وَلَقَدْ بَلَغَنِي فِي هَذَا الزَّمَانِ عَنْ بَعْضِ مَنْ هُوَ حَدِيثُ عهد بالإِسلام أَنه قال في الخمر : إِنها ( 6 ) لَيْسَتْ بحرامٍ ، وَلَا عَيْبَ فِيهَا ، وإِنما الْعَيْبُ أَن يُفْعَلَ بِهَا مَا لَا يصلُح ؛ كَالْقَتْلِ وشِبْهِه .
وَهَذَا الِاعْتِقَادُ لَوْ كَانَ مِمَّنْ نشأَ في الإِسلام لكان ( 7 ) كُفْرًا ، لأَنه إِنكارٌ لِمَا ( 8 ) عُلِمَ مِنْ دِينِ الأُمة ضَرُورَةً ، وَسَبَبُ ذَلِكَ : تركُ الإِنكار مِنَ الوُلاة عَلَى شَارِبِهَا ، والتَّخْلِيَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اقْتِنَائِهَا ، وشهرةُ تجارة ( 9 ) أَهل الذمة فيها ، وأَشباه ذلك .
هامش
( 1 ) يعني : حديث أبي أيوب في فضل صيام ست من شوال ، وتقدم تخريجه ( ص 347 ) .
( 2 ) في ( ر ) و ( غ ) : " لكن " .
( 3 ) تقدم تخريجها في الصفحة السابقة والتي قبلها .
( 4 ) في ( ت ) : " لأنه " بدل " كأنه " ، وذكر في الهامش أن في نسخة : " كأنه " .
( 5 ) في ( ت ) و ( خ ) : " من أن يطول " .
( 6 ) قوله : " إنها " ليس في ( خ ) و ( م ) و ( ت ) .
( 7 ) في ( ت ) و ( خ ) و ( م ) : " كان " .
( 8 ) في ( غ ) : " كما " .
( 9 ) كذا في ( ر ) و ( غ ) ، وفي ( م ) : " بجاره " ، أو : " فجاره " ، وفي ( ت ) : " وشهرته بحارة " ، =