وقع الهَرْجُ ( 1 ) ، وفسد النظام ، فيضطرون إِلى الرجوع ( 2 ) إِلى مَنِ انْتَصَبَ لَهُمْ مَنْصِبَ الْهِدَايَةِ ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ عَالِمًا ، فَلَا بُدَّ أَن يَحْمِلَهُمْ عَلَى رأْيه فِي الدِّينِ ، لأَن الْفَرْضَ أَنه جَاهِلٌ ، فيُضِلّهم عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ ؛ كَمَا أَنَّهُ ضَالٌّ ( 3 ) عَنْهُ ، وَهَذَا عَيْنُ الِابْتِدَاعِ ؛ لأَنه التَّشْرِيعُ بِغَيْرِ ( 4 ) أَصلٍ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ . وَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنه لَا يُؤتى الناسُ قَطّ مِنْ قِبل ( 5 ) عُلَمَائِهِمْ ( 6 ) ؛ وإِنما يؤتَون مِنْ قِبَلِ أَنه إِذا مَاتَ عُلَمَاؤُهُمْ ؛ أَفتى مَنْ لَيْسَ بِعَالَمٍ ، فَيُؤْتَى ( 7 ) النَّاسُ مَنْ قِبَلِهِ ؛ وسيأْتي ( 8 ) لِهَذَا الْمَعْنَى بَسْطٌ أَوسع مِنْ هَذَا إِن شاءَ اللَّهُ .
وأَما الشحُّ : فإِنه مُقَدِّمَةٌ لِبِدْعَةِ الِاحْتِيَالِ عَلَى تَحْلِيلِ الْحَرَامِ ؛ وَذَلِكَ أَن النَّاسَ يشحُّون بأَموالهم ، فَلَا يَسْمَحُونَ بِتَصْرِيفِهَا فِي مَكَارِمِ الأَخلاق ، وَمَحَاسِنِ الشِّيَم ؛ كالإِحسان بِالصَّدَقَاتِ ، والهِبَات ، والمُواساة ، والإِيثار عَلَى النَّفْسِ ، وَيَلِيهِ أَنواع الْقَرْضِ الْجَائِزِ ، ويليه التجاوز في المعاملات بإِنظار المعسر ، أو بالإِسقاط ( 9 ) ؛ كما قال تعالى ( 10 ) : { وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } ( 11 ) ؛ وَهَذَا كَانَ شأْن مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ ، ثُمَّ نَقَصَ الإِحسان بِالْوُجُوهِ الأُوَل ؛ فَتَسَامَحَ النَّاسُ بِالْقَرْضِ ، ثُمَّ نَقَصَ ( 12 ) ذَلِكَ ؛ حَتَّى صَارَ الْمُوسِرُ لَا يَسْمَحُ بِمَا فِي يَدَيْهِ ، فَيُضْطَرُّ المعسر
هامش
( 1 ) المقصود بالهَرْج هنا - فيما يظهر - : كثرة الفتن المفضية إلى كثرة القتال . فالهَرْجُ يطلق على الاختلاط ، والفتنة في آخر الزمان ، وشدّة القتل وكثرته ، وكثرة النكاح ، وأصل الهرج : الكثرة في الشيء . انظر " النهاية " ( 5 / 256 ) ، و " لسان العرب " ( 2 / 389 ) .
( 2 ) في ( ت ) و ( خ ) : " الخروج " .
( 3 ) في ( ت ) : " ضل " .
( 4 ) في ( ر ) و ( غ ) : " لغير " .
( 5 ) في ( م ) : " قبيل " .
( 6 ) في ( ت ) و ( خ ) : " العلماء " .
( 7 ) في ( ت ) و ( خ ) : " فتؤتى " .
( 8 ) ( ص 99 ) من المجلد الثالث .
( 9 ) كما في قوله صلّى الله عليه وسلّم : " من سره أن ينجيه الله فلينفس عن معسر ، أو يضع عنه " . أخرجه مسلم ( 1563 ) .
وفي ( خ ) و ( م ) و ( ت ) : " وبالإسقاط " .
( 10 ) قوله : " تعالى " ليس في ( خ ) .
( 11 ) سورة البقرة : الآية ( 280 ) .
( 12 ) في ( خ ) : " نقض " .