فصل
وإذا سلَّمنا ( 1 ) : إِنَّ مِنَ الْبِدَعِ مَا يَكُونُ صَغِيرَةً ؛ فَذَلِكَ بِشُرُوطٍ :
أَحَدُهَا : أَن لَا يُدَاوِمَ عَلَيْهَا ، فإِن الصَّغِيرَةَ مِنَ الْمَعَاصِي لِمَنْ دَاوَمَ عَلَيْهَا تَكْبُرُ بِالنِّسْبَةِ إِليه ؛ لأَن ذَلِكَ نَاشِئٌ عَنِ ( 2 ) الإِصرار عَلَيْهَا ، والإِصرار عَلَى الصَّغِيرَةِ يُصَيِّرها كَبِيرَةً ، وَلِذَلِكَ قَالُوا : " لَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصرار ، وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ " ( 3 ) ، فَكَذَلِكَ الْبِدْعَةُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ ، إِلا أَن الْمَعَاصِيَ مِنْ شأْنها فِي الْوَاقِعِ ( 4 ) أَنها قَدْ يُصِرُّ عَلَيْهَا ، وَقَدْ لَا يُصِرُّ عَلَيْهَا ، وَعَلَى ذَلِكَ يَنْبَني طرحُ الشَّهَادَةِ ، وسُخْطَةُ الشَّاهِدِ بِهَا أَو عَدَمُهُ ، بِخِلَافِ الْبِدْعَةِ فإِن شأْنها في الواقع المداومة عليها ( 5 ) ، وَالْحِرْصِ عَلَى أَن لَا تُزَالَ ( 6 ) مِنْ مَوْضِعِهَا ، وأَن تَقُومَ عَلَى تَارِكِهَا الْقِيَامَةُ ، وَتَنْطَلِقَ عَلَيْهِ أَلسنة الْمَلَامَةِ ، وَيُرْمَى بالتَّسْفِيهِ والتَّجْهِيل ، ويُنْبَزُ بالتَّبْديع والتَّبْديل ( 7 ) ، ضِدَّ مَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ هَذِهِ الأُمة ، والمُقْتَدَى بِهِمْ مِنَ الأَئمة .
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ : الاعتبار والنقل .
هامش
( 1 ) في ( خ ) و ( م ) و ( ت ) : " وإذا قلنا " بدل : " وإذا سلمنا " .
( 2 ) في ( م ) : " على " .
( 3 ) أخرجه ابن جرير في " تفسيره " ( 8 / 245 ) ، وابن أبي حاتم في " تفسيره " ( 3 / 934 ) ، واللالكائي في " السنة " ( 1919 ) ، ثلاثتهم من طريق شبل بن عباد ، عن قيس بن سعد ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أن رجلاً سأله عن الكبائر : أسبع هي ؟ قال : هي إلى السبعمئة أقرب ، إلا أنه لا كبيرة مع الاستغفار ، ولا صغيرة مع إصرار . وإسناده صحيح .
( 4 ) في ( ت ) : " إلا أن المعاصي في الواقع من شأنها " .
( 5 ) قوله : " عليها " من ( ر ) و ( غ ) فقط .
( 6 ) في ( م ) : " ألا نزال " .
( 7 ) في ( خ ) و ( م ) و ( ت ) : " والتضليل " بدل " والتبديل " .