تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
الأَخبثان ( 1 ) ، وَمَا أَشبه ذَلِكَ . وَنَظِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ : " نهينا عن اتِّباع الجنائز ، ولم يُعْزَم ( 2 ) عَلَيْنَا " ( 3 ) . فَالْمُرْتَكِبُ لِلْمَكْرُوهِ لَا يَصِحُّ أَن يُقَالَ فِيهِ : مخالفٌ ( 4 ) وَلَا عاصٍ ، مَعَ أَن الطَّاعَةَ ضدُّها الْمَعْصِيَةُ ، وَفَاعِلُ الْمَنْدُوبِ مُطِيعٌ لأَنه فَاعِلُ ما أُمر بِهِ ، فإِذا اعْتَبَرْتَ الضِّدَّ ؛ لَزِمَ أَن يَكُونَ فَاعِلُ الْمَكْرُوهِ عَاصِيًا ؛ لأَنه فاعلٌ مَا نُهِيَ عَنْهُ ، لَكِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ إِذْ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ عاصٍ ، فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ فَاعِلُ الْبِدْعَةِ الْمَكْرُوهَةِ ضَالًّا ( 5 ) ، وإِلا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ اعْتِبَارِ الضِّدِّ فِي الطَّاعَةِ وَاعْتِبَارِهِ فِي الْهُدَى ، فَكَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْبِدْعَةِ الْمَكْرُوهَةِ لَفْظُ الضَّلَالَةِ ، فَكَذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ الْمَكْرُوهِ لَفْظُ الْمَعْصِيَةِ ، وإِلا فَلَا يُطْلَقُ عَلَى الْبِدْعَةِ الْمَكْرُوهَةِ لَفْظُ الضَّلَالَةِ ، كَمَا لَا يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ الْمَكْرُوهِ لَفْظُ الْمَعْصِيَةِ . إِلا أَنه قَدْ تَقَدَّمَ عُمُومُ لَفْظِ الضَّلَالَةِ لِكُلِّ بِدْعَةٍ ، فليَعُمّ لَفْظُ الْمَعْصِيَةِ لِكُلِّ فِعْلٍ مَكْرُوهٍ ، لَكِنَّ ( 6 ) هَذَا بَاطِلٌ ، فَمَا لَزِمَ عَنْهُ كَذَلِكَ . وَالْجَوَابُ : أَن عُمُومَ لَفْظِ الضَّلَالَةِ لِكُلِّ بِدْعَةٍ ثَابِتٌ - كَمَا تَقَدَّمَ بسطه - ، وما أَلْزَمتم ( 7 ) في الفعل المكروه غير لازم . أَما أَوَّلاً ( 8 ) : فإِنه لَا يَلْزَمُ فِي الأَفعال أَن تُجرى عَلَى الضِّدِّية الْمَذْكُورَةِ إِلا بَعْدَ استقراءِ الشَّرْعِ ، ولمّا استقرأنا موارد الأَحكام الشرعية ؛ وجدنا بين الطاعة ( 9 ) وَالْمَعْصِيَةِ وَاسِطَةً مُتَّفَقًا عَلَيْهَا - أَو كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا - ؛ وهي المباح ، وحقيقته : أَنه ليس بطاعة ولا معصية ( 10 ) من حيث هو مباح .
هامش
( 1 ) لما أخرجه مسلم ( 560 ) من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً : " لا صلاة بحضرة طعام ، ولا هو يدافعه الأخبثان " . ( 2 ) في ( خ ) و ( ت ) و ( م ) : " يحرم " . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 313 ) ، ومسلم ( 938 ) من حديث أم عطية رضي الله عنها . ( 4 ) في ( خ ) : " مخالفاً " . ( 5 ) قوله : " ضالاً " ليس في ( غ ) و ( ر ) . ( 6 ) في ( غ ) و ( ر ) : " ولكن " . ( 7 ) في ( خ ) و ( م ) و ( ت ) : " التزمتم " . ( 8 ) قوله : " أما أولاً " سقط من ( خ ) و ( ت ) . ( 9 ) في ( خ ) و ( ت ) : " وجدنا للطاعة " . ( 10 ) قوله : " ولا معصية " سقط من ( خ ) .