وأَما ثَانِيًا : فإِن إِثبات قَسْمِ الْكَرَاهَةِ فِي الْبِدَعِ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِمَّا يُنْظَرُ ( 1 ) فِيهِ ، فَلَا يَغْتَرّ ( 2 ) المُغْتَرّ بإِطلاق الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الفقهاءِ لَفْظُ الْمَكْرُوهِ عَلَى بَعْضِ الْبِدَعِ ( 3 ) ، وإِنما حَقِيقَةُ الْمَسْأَلَةِ : أَن الْبِدَعَ لَيْسَتْ عَلَى رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الذَّمِّ - كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ - ، وأَما تَعْيِينُ الْكَرَاهَةِ ( 4 ) الَّتِي مَعْنَاهَا نَفْيُ إِثم فَاعِلِهَا ، وَارْتِفَاعُ الْحَرَجِ عنه ( 5 ) البتَّةَ ، فَهَذَا مِمَّا لَا يَكَادُ يُوجَدُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِنَ الشَّرْعِ ، وَلَا مِنْ كَلَامِ الأَئمة عَلَى الْخُصُوصِ .
أَما الشَّرْعُ فَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ؛ لأَن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ عَلَى مَنْ قَالَ : أَما أَنا فأَقوم اللَّيْلَ وَلَا أَنام ، وَقَالَ الْآخَرُ ( 6 ) : أَما أَنا فَلَا أَنكح النساءَ . . . ، إِلى آخِرِ مَا قَالُوا ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : " مَنْ رَغِبَ عَنْ سنتي فليس مني " ( 7 ) .
وهذه العبارة من ( 8 ) أَشد شيءٍ فِي الإِنكار ، وَلَمْ يَكُنْ مَا الْتَزَمُوا إِلا فِعْلَ مَنْدُوبٍ أَو تَرْكَ مَنْدُوبٍ إِلى فِعْلِ مَنْدُوبٍ آخَرَ ، وَكَذَلِكَ مَا فِي الحديث : أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ فَقَالَ : " مَا بَالُ هَذَا ؟ " فَقَالُوا ( 9 ) : نذر أَن لا يستظل ولا يتكلم ولا يَجْلِسُ وَيَصُومَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم : " مُرْهُ ( 10 ) فليجلس وليتكلم وَلِيَسْتَظِلَّ وَلِيُتِمَّ صَوْمَهُ " ( 11 ) . قَالَ مَالِكٌ ( 12 ) : " أَمره أَن يُتِمَّ مَا كَانَ لِلَّهِ عَلَيْهِ فِيهِ طَاعَةٌ ، وَيَتْرُكُ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ مَعْصِيَةٌ " .
وَيُعَضِّدُ هَذَا الَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ : مَا فِي الْبُخَارِيِّ ( 13 ) عن قيس بن أَبي
هامش
( 1 ) في ( غ ) و ( ر ) : " ما ينظر " .
( 2 ) في ( غ ) و ( ر ) : " يغترن " .
( 3 ) قوله : " البدع " سقط من ( خ ) و ( ت ) ، وعلق عليه رشيد رضا بقوله : ربما سقط من هنا كلمة : " البدع " . اه - .
( 4 ) في ( ر ) : " الكراهية " .
( 5 ) قوله : " عنه " سقط من ( خ ) و ( م ) و ( ت ) .
( 6 ) قوله : " الآخر " سقط من ( غ ) و ( ر ) .
( 7 ) تقدم تخريجه ( ص 147 ) من هذا المجلد .
( 8 ) قوله : " من " سقط من ( خ ) ، و ( م ) و ( ت ) .
( 9 ) قوله : " فقالوا " سقط من ( خ ) ، وعلق عليه رشيد رضا بقوله : كذا ! ولعل الأصل : " قالوا : نذر " ، أو : " قيل : نذر " إلخ . اه - .
( 10 ) في ( ت ) : " مروه " .
( 11 ) تقدم تخريجه صفحة ( 28 ) .
( 12 ) في " الموطأ " ( 2 / 476 ) ، مع اختلاف يسير .
( 13 ) انظر " صحيح البخاري " رقم ( 3834 ) .