وَهَذَا الْقَتْلُ مُحْتَمَلٌ ( 1 ) أَن يَكُونَ دِينًا وَشِرْعَةً ابْتَدَعُوهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَن يَكُونَ عَادَةً تعوَّدوها ( 2 ) ، بِحَيْثُ لَمْ يَتَّخِذُوهَا شِرْعَةً ، إِلا أَن اللَّهَ تَعَالَى ( 3 ) ذمَّهم عَلَيْهَا ، فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهَا بِالْبِدْعَةِ بَلْ بِمُجَرَّدِ الْمَعْصِيَةِ ، فَنَظَرْنَا هَلْ نَجِدُ لأَحد المُحْتَمَلَيْن عَاضِدًا يَكُونُ هُوَ الأَولى ( 4 ) فِي حَمْلِ الْآيَاتِ عَلَيْهِ ؟ فَوَجَدْنَا قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ } ( 5 ) ، فإِن الْآيَةَ صرَّحت أَن لِهَذَا التَّزْيِينِ سَبَبَيْنِ : أَحدهما : الإِرداءُ وَهُوَ الإِهلاك ، وَالْآخَرُ : لَبْس الدِّينِ ، وهو قوله : { وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ } ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلا بِتَغْيِيرِهِ وَتَبْدِيلِهِ ، أَو الزِّيَادَةِ فِيهِ ، أَو النُّقْصَانِ مِنْهُ ، وَهُوَ الِابْتِدَاعُ بِلَا إِشكال ، وإِنما كَانَ دِينُهُمْ أَولاً دينَ أَبيهم إِبراهيم ( 6 ) ؛ فَصَارَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا بَدَّلُوا فِيهِ ، كالبَحيرة ، والسَّائبة ، ونَصْب الأَصنام ، وَغَيْرِهَا ، حَتَّى عُدَّ مِنْ جُمْلَةِ دِينِهِمُ الَّذِي يَدِينُونَ بِهِ .
وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدُ : { فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } ، فَنَسَبَهُمْ إِلى الافتراءِ - كَمَا تَرَى - ، وَالْعِصْيَانُ مِنْ حيث هو عصيان لا يكون افتراءاً ، وإِنما يقع الافتراءُ في نفس التشريع ، وفي أَن هَذَا الْقَتْلَ مِنْ جُمْلَةِ مَا جاءَ مِنَ الدِّينِ . وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى عَلَى إِثر ذَلِكَ : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا } ( 7 ) ، فَجَعَلَ قَتْلَ الْأَوْلَادِ مَعَ تَحْرِيمِ مَا أَحل اللَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الِافْتِرَاءِ ، ثُمَّ خَتَمَ بِقَوْلِهِ : { قَدْ ضَلُّوا } ، وَهَذِهِ خاصِّيَّة الْبِدْعَةِ - كَمَا تَقَدَّمَ - ، فإِذاً ما فعلت الهند نحوٌ مما فعلت الجاهلية . وسيأْتي ذكر ( 8 ) مَذْهَبُ الْمَهْدِيِّ الْمَغْرِبِيِّ فِي شَرْعِيَّةِ الْقَتْلِ .
عَلَى ( 9 ) أَن بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ زَيَّنَ
هامش
( 1 ) في ( ت ) : " يحتمل " .
( 2 ) في ( خ ) و ( م ) " تعودها " .
( 3 ) في ( غ ) : " أن تعالى " .
( 4 ) في ( ر ) و ( غ ) : " أولى " .
( 5 ) سورة الأنعام : الآية ( 137 ) .
( 6 ) قوله : " إبراهيم " سقط من ( خ ) و ( ت ) و ( م ) .
( 7 ) قوله : " قد ضلوا " ليس في ( غ ) و ( ر ) .
( 8 ) قوله : " ذكر " سقط من ( خ ) و ( م ) و ( ت ) .
( 9 ) في ( غ ) : " مع " .