الْمَشْكُوكُ فِي صِحَّتِهِ ، وَيُتْرَكُ مَا لَا مِرْيَةَ في صحته ، ويؤنِّب ( 1 ) مَنْ يَتَّبِعُهُ .
ثُمَّ إِطلاقه الْقَوْلَ بأَن التَّرْكَ لَا يُوجِبُ حُكْمًا فِي الْمَتْرُوكِ إِلا جَوَازَ التَّرْك ، غَيْرَ جارٍ عَلَى أُصول الشَّرْعِ الثَّابِتَةِ . فلنقرِّر ( 2 ) هُنَا أَصلاً لِهَذِهِ المسأَلة لَعَلَّ اللَّهَ يَنْفَعُ به من أَنصف من نَفْسِهِ :
وَذَلِكَ أَن سُكُوتَ الشَّارِعِ عَنِ الْحُكْمِ في مسأَلة مّا ، أَو تَرْكِهِ لأَمر مَا عَلَى ضَرْبَيْنِ :
أَحدهما : أَن يَسْكُتَ عَنْهُ أَو يَتْرُكَهُ لأَنه لَا دَاعِيَةَ لَهُ تَقْتَضِيهِ ، وَلَا مُوجِبَ يُقَرَّرُ لأَجله ، وَلَا وَقَعَ سببُ تقريرِه ؛ كَالنَّوَازِلِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فإِنها لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً ثُمَّ سَكَتَ عَنْهَا مَعَ وُجُودِهَا ، وإِنما حَدَثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَاحْتَاجَ أَهل الشَّرِيعَةِ إِلى النَّظَرِ فِيهَا وإِجرائها عَلَى مَا تَبَيَّنَ فِي الكُلِّيَّات الَّتِي كَمُلَ بِهَا الدِّينُ ، وإِلى هَذَا الضَّرْبِ يَرْجِعُ جَمِيعُ مَا نَظَرَ فيه السلف الصالح مما لم ( 3 ) يُبَيِّنْهُ ( 4 ) رسول الله صلى الله عليه وسلم على الْخُصُوصِ مِمَّا هُوَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى ؛ كَتَضْمِينِ الصُّنَّاع ، ومسأَلة الْحَرَامِ ( 5 ) ، والجَدّ مَعَ الإِخوة ، وعَوْل الْفَرَائِضِ ، وَمِنْهُ : جَمْعُ الْمُصْحَفِ ، ثُمَّ تَدْوِينُ الشَّرَائِعِ ، وَمَا أَشبه ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُحْتَجْ فِي زَمَانِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلى تَقْرِيرِهِ ؛ لِتَقْدِيمِ ( 6 ) كُلِّيَّاته الَّتِي تستنبط مِنْهَا ، إِذا ( 7 ) لَمْ تَقَعْ أَسباب الْحُكْمِ فِيهَا ، ولا الفتوى بها منه عليه الصلاة والسلام ، فَلَمْ يُذْكَرْ لَهَا حُكْمٌ مَخْصُوصٌ .
فَهَذَا الضَّرْب إِذا حَدَثَتْ أَسبابه فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فيه وإِجرائه على
هامش
( 1 ) في ( م ) : " ويؤلب " ، ولم تتضح في ( خ ) بسبب كثافة حبر التصوير عليها ، لكن أثبتها رشيد رضا هكذا : " ولولعا " ، وقال : " كذا في الأصل " .
( 2 ) في ( خ ) و ( م ) : " فنقول " .
( 3 ) قوله : " لم " سقط من " غ " .
( 4 ) في ( خ ) و ( م ) : " يسنّه " .
( 5 ) أي : إذا قال لامرأته : أنت عليَّ حرام ، أيقع طلاقاً ؟ أو يكفّر كفارة يمين ؟ . انظر : " معرفة السنن والآثار " للبيهقي ( 11 / 59 ) .
( 6 ) في ( خ ) : " للتقديم " . وعلق عليها رشيد رضا بقوله : " كذا في الأصل ! وهو محرف ، ولعل في الكلام حذفاً أيضاً ، والمعنى المراد ظاهر ، وهو : أن ما لم يحتج إلى تقريره في عصر النبوة من جزئيات الأحكام ؛ قد وجد في الشريعة من القواعد الكلية ما يدخل فيه ، ويستنبط هو منه " . اه - .
( 7 ) في ( خ ) و ( م ) : " إذ " .