مفسدة إِماتة النفس ( 1 ) ، وَقَدْ حَصَلَتِ النِّسْبَةُ إِلى الْبِدْعَةِ ، وَلَكِنَّ الطَّرْطُوشي رحمه الله لم ( 2 ) ير ذَلِكَ شَيْئًا ، فَكَلَامُهُ لِلِاتِّبَاعِ أَولى مِنْ كَلَامِ هَذَا الرَّادّ ، إِذ بَيْنَهُمَا فِي الْعِلْمِ مَا بَيْنَهُمَا .
وأَيضاً فَلَوِ اعتُبر مَا قَالَ لَزِمَ اعتبار مثله ( 3 ) فِي كُلِّ مَنْ أَنكر الدعاءَ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعُ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي غَيْرِ عَرَفَةَ ، وَمِنْهُمْ : نَافِعٌ مولى ابن عمر ( 4 ) ، ومالك ( 5 ) ،
هامش
( 1 ) الظاهر أنه يعني المفاسد الدنيوية ، ولعل هذا مراده بقوله : " في الدنيا " ، وأما إن أراد : في هذه الحياة ، فمفسدة الدين أعظم من مفسدة إماتة النفس ، كما قال تعالى : { وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ } [ البقرة : 191 ] .
والسياق واضح - فيما أرى - ، فهو يتحدث عن رغبة ذاك الجاهل في قتل الطرطوشي رحمه الله ، وقد استشكله رشيد رضا رحمه الله ، فعلّق عليه بقوله : " قوله : النفس ، الصواب أن يقال : السنّة ، كما يقتضيه سياق الكلام " .
( 2 ) قوله : " لم " سقط من ( خ ) و ( م ) ، وعلق عليه رشيد رضا بقوله : كذا في نسختنا ! والسياق يقتضي النفي ؛ أي : كان لا يرى ذلك شيئاً . والأظهر أن تكون العبارة : لم ير ذلك شيئاً . اه - .
( 3 ) في ( خ ) و ( م ) : " اعتباره بمثله " .
( 4 ) أخرجه ابن وضاح في " البدع والنهي عنها " ( 114 ) بسند صحيح إلى أبي حفص المدني ؛ قال : اجتمع الناس يوم عرفة في مسجد النبي صلّى الله عليه وسلّم يدعون بعد العصر ، فخرج نافع مولى ابن عمر من دار آل عمر ، فقال : أيها الناس ! إن الذي أنتم عليه بدعة ، وليست بسنّة ، إنا أدركنا الناس ولا يصنعون مثل هذا ، ثم رجع فلم يجلس ، ثم خرج الثانية ففعل مثلها ، ثم رجع . وأبو حفص المدني هذا هو عمر بن عبد الله مولى غُفْرة ، وهو ضعيف كما في " التقريب " ( 4968 ) ، لكن أرى أن مثل هذا يحتمل منه ، فإن الراوي المضعف من قبل حفظه يحتمل الأئمة روايته إذا كان فيها قصة حدثت له .
( 5 ) قال في " العتبية " ( 1 / 274 / البيان والتحصيل ) : " وسئل مالك عن الجلوس يوم عرفة في المساجد في البلدان بعد العصر للدعاء ، فكره ذلك ، فقيل له : فإن الرجل يكون في مجلسه ، فيجتمع إليه الناس ويكبِّرون ؟ قال : ينصرف ، ولو أقام في منزله كان أحبّ إليّ " .
وقال الطرطوشي في " الحوادث والبدع " ( ص 127 ) : " قال مالك بن أنس : ولقد رأيت رجالاً ممن أقتدي بهم يتخلّفون عشيَّة عرفة في بيوتهم . قال : وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع ، ولا أحب للرجل الذي قد عَلِمَ أن يقعد في المسجد في تلك العشيَّة مخافة أن يُقتدى به ، وليقعد في بيته " . وذكر نقولا أخرى عن مالك . وانظر ما تقدم ( ص 275 ) ، وما يأتي ( ص 316 و 355 ) ، و " الموافقات " للمصنف ( 3 / 497 - 498 ) .