تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
وَقَالَ قَتَادَةُ : أَخْلِصْ لَهُ الْعِبَادَةَ وَالدَّعْوَةَ ( 1 ) . فَعَلَى هذا التفسير لا مُتَعَلَّق ( 2 ) فيها لمَوْرِدِ السؤال . وإِذا تَقَرَّرَ هَذَا فَالْفِرَارُ مِنَ الْعَوَارِضِ بِالسِّيَاحَةِ ( 3 ) ، وَاتِّخَاذُ الصَّوَامِعِ ، وسُكْنَى الْجِبَالِ وَالْكُهُوفِ ؛ إِن كَانَ عَلَى شَرْطِ أَن لَا يُحرِّموا مَا أَحل اللَّهُ مِنَ الأُمور الَّتِي حَرَّمها الرُّهبان ، بَلْ عَلَى حدِّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ ( 4 ) فِي الحَوَاضِر ( 5 ) ومَجَامع النَّاسِ ، لَا يشدِّدون عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمِقْدَارِ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ ، فَلَا إِشكال فِي صِحَّةِ هَذِهِ الرَّهْبَانِيَّةِ ، غَيْرَ أَنها لَا تُسَمَّى رَهْبَانِيَّةً إِلا بنوعٍ مِنَ المَجَاز ، أَو النَّقْلِ الْعُرْفِيِّ الَّذِي لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ مُعْتَادُ اللُّغَةِ ، فَلَا تَدْخُلُ في مقتضى قوله تعالى : { وَرَهْبَانِيَّةً ( 6 ) ابْتَدَعُوهَا } ( 7 ) ، لَا فِي الِاسْمِ ، وَلَا فِي الْمَعْنَى . وإِن كان على التزام ما التزمه الرهبان المتقدمون ( 8 ) ، فَلَا نسلِّم أَنه فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ مَنْدُوبٌ إِليه ولا مباح ، بل هو مما لا يجوز ؛ لأَنه كالتشريع ( 9 ) بِغَيْرِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَا يَنْتَظِمُهُ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خيرُ مالِ الْمُسْلِمِ غنماً يَتْبَعُ بها شَعَفَ الْجِبَالِ ، وَمَوَاقِعَ القَطْر ، يَفِرّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ " ( 10 ) ، وإِنما ينتظمه معنى قوله عليه السلام ( 11 ) : " مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي " ( 12 ) . وأَما مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ تَفْضِيلِهِ الْعُزْلَةَ على المخالطة ، وترجيح العُزْبَةِ على اتّخاذ الأَهل ( 13 ) عِنْدَ اعْتِوَارِ ( 14 ) الْعَوَارِضِ ، فَذَلِكَ ( 15 ) يُسْتَمَدّ مَنْ أَصلٍ آخر ، لا من هنا .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في " تفسيره " ( 23 / 688 ) بسند حسن . ( 2 ) في ( خ ) : " لا تعلق " . ( 3 ) في ( خ ) : " وإذا تقرر هذا فالسياحة " . ( 4 ) قوله : " عليه " من ( خ ) فقط . ( 5 ) في ( م ) : " الخواص " . ( 6 ) في ( غ ) و ( ر ) : " رهبانية " . ( 7 ) سورة الحديد : الآية ( 27 ) . ( 8 ) قوله : " المتقدمون " ليس في ( خ ) و ( م ) . ( 9 ) في ( خ ) و ( م ) : " كالشرع " . ( 10 ) تقدم تخريجه صفحة ( 230 ) . ( 11 ) من قوله : " يوشك أن يكون " إلى هنا سقط من ( خ ) و ( م ) . ( 12 ) تقدم تخريجه صفحة ( 147 ) . ( 13 ) في ( خ ) و ( م ) : " أهل " . ( 14 ) في ( ر ) و ( غ ) : " عند اعتراض " . ( 15 ) في ( ر ) و ( غ ) : " فكذلك " .
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 233 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي