فِيمَا لَا يَجُوزُ ، كَمَا جاءَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يُوشِكُ أَن يَكُونَ خيرَ مالِ الْمُسْلِمِ غنمٌ ( 1 ) يَتْبَعُ بها شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْر ، يَفِرّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَن " ( 2 ) . وَسَائِرُ مَا جاءَ فِي هَذَا الْمَعْنَى .
وَأَيْضًا فإِن اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً * } ( 3 ) . والتَّبَتُّلُ - عَلَى مَا قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسلم - : رَفْضُ الدُّنْيَا ؛ مِنْ قَوْلِهِمْ : بَتَلْتُ الحَبْلَ بَتْلاً : إِذا قطعته ، ومعناه : انقطع مِنْ كُلِّ شيءٍ إِلا مِنْهُ .
وَقَالَ الْحَسَنُ ( 4 ) وغيره : بَتِّل إِليه نفسَكَ واجْتَهِد . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ ( 5 ) : تفرَّغْ لِعِبَادَتِهِ . هَذَا إِلى مَا جاءَ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ الِانْقِطَاعِ إِلى عِبَادَةِ اللَّهِ ، وَرَفْضِ أَسْبَابِ الدُّنْيَا ، والتخلِّي عَنِ الْحَوَاضِرِ إِلى الْبَوَادِي ، وَاتِّخَاذِ الخَلَوَات فِي الْجِبَالِ والبَرارِي ، حَتَّى إِن بَعْضَ الْجِبَالِ الشاميَّة قد خصَّها الله بالأَولياءِ والمنقطعين ؛ كجبل ( 6 ) لُبْنَانَ وَنَحْوِهِ .
فَمَا وَجْهُ ذَلِكَ ( 7 ) ؟
فَالْجَوَابُ : أَن الرَّهبانية إِن كانت بالمعنى ( 8 ) المقرَّر في الشرائع ( 9 ) الأُوَلِ ، فَلَا نسلِّم أَنَّهَا فِي شَرْعِنَا ؛ لِمَا تقدم من الأَدلة الدالّة ( 10 ) عَلَى نَسْخِهَا ، كَانَتْ لعارِضٍ أَوْ لِغَيْرٍ عارِض ، إِذ لا رهبانية في الإِسلام ( 11 ) ،
هامش
( 1 ) في ( غ ) و ( ر ) : " غنماً " .
( 2 ) أخرجه البخاري ( 19 ) .
( 3 ) سورة المزمل : الآية ( 8 ) .
( 4 ) أخرجه الطبري في " التفسير " ( 23 / 688 ) من طريق أشعث بن سَوّار ، عن الحسن البصري ، وسنده ضعيف لضعف أشعث بن سَوّار ؛ كما في " التقريب " ( 528 ) .
( 5 ) هو : عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ؛ وقوله هذا : أخرجه الطبري في " التفسير " ( 23 / 689 ) بسند صحيح إليه .
( 6 ) في ( م ) و ( خ ) : " إلى " بدل " كجبل " .
( 7 ) أي : ما وجه كلام ابن العربي ؟ وقوله : " ذلك " سقط من ( غ ) و ( ر ) .
( 8 ) في ( م ) : " بمعنى " .
( 9 ) في ( خ ) : " في شرائع " وفي ( م ) : " بالشرائع " .
( 10 ) قوله : " الدالة " ليس في ( خ ) .
( 11 ) تقدم تخريج حديث : " لا رهبانية في الإسلام " ( ص 27 - 28 و 212 ) .