تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
أَما الأَوّل : فلا مدخل له ها هنا ؛ لأَن التَّحْرِيمَ تَشْرِيعٌ كَالتَّحْلِيلِ ، وَالتَّشْرِيعُ لَيْسَ إِلا لِصَاحِبِ الشَّرْعِ ، اللَّهُمَّ إِلا أَن يُدْخِلَ مبتدعٌ رأْياً كَانَ مِنْ أَهل الْجَاهِلِيَّةِ ، أَو مِنْ أَهل الإِسلام ؛ فَهَذَا أَمر آخَرُ يُجَلُّ السلفُ الصَّالِحُ عَنْ مِثْلِهِ ؛ فَضْلًا عَنْ أَصحاب رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْخُصُوصِ . وَقَدْ وَقَعَ للمُهَلَّب ( 1 ) فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ مَا قَدْ يُشعر بأَن الْمُرَادَ فِي الْآيَةِ التَّحْرِيمُ بِالْمَعْنَى الأَول ، فَقَالَ : التَّحْرِيمُ إِنما هُوَ لِلَّهِ ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم ، فَلَا ( 2 ) يحلُّ لأَحد أَن يحرِّم شَيْئًا ، وَقَدْ وَبَّخَ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَقَالَ : { لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا } ( 3 ) ، فَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الاعتداءِ . وَقَالَ : { وَلاَ تَقُولُوا لِمَا ( 4 ) تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ } ( 5 ) . قَالَ : فَهَذَا كلُّه حُجَّة فِي أَن تَحْرِيمَ النَّاسِ لَيْسَ بشيءٍ . وَمَا قَالَهُ المُهَلَّب يردُّه السبب في نزول الآية ، وليس فيه ما يُشْعِرُ بهذا المعنى ، وإنما نصّت الأسباب على التحريم بالمعنى الثالث ( 6 ) كَمَا تَقَرَّرَ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُعَدِّ المُحرِّمُ الحكمَ لِغَيْرِهِ كَمَا هُوَ شأْن التَّحْرِيمِ بِالْمَعْنَى الأَول ، فَصَارَ مَقْصُورًا عَلَى المحرِّمِ دُونَ غَيْرِهِ . وأَما التَّحْرِيمُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي : فَلَا حَرَجَ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ ؛ لأَن بَوَاعِثَ النُّفُوسِ عَلَى الشَّيْءِ أَو صوارفها ( 7 ) عنه لا تنضبط لقانون ( 8 ) معلوم ، فقد يمتنع الإِنسان من الحلال لأَلَمٍ ( 9 ) يَجِدُهُ فِي اسْتِعْمَالِهِ ، كَكَثِيرٍ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ مِنْ شُرْبِ الْعَسَلِ لوَجَعٍ يَعْتريه بِهِ ، حَتَّى يحرِّمه على نفسه ، لا بمعنى التحريم
هامش
( 1 ) انظر : " فتح الباري " لابن حجر ( 9 / 372 ) . ( 2 ) في ( ر ) : " قال لا " بدل " فلا " . ( 3 ) سورة المائدة : الآية ( 87 ) . ( 4 ) سورة النحل : الآية ( 116 ) . ( 5 ) في ( خ ) : " لم " . ( 6 ) من قوله : " فيه ما يشعر بهذا " إلى هنا سقط من ( خ ) و ( م ) . ( 7 ) في ( خ ) : " أو صارفها " ، وعلق عليه رشيد رضا بقوله : لعل في الأصل : " أو صوارفها " ؛ ليناسب جميع البواعث . اه - . ( 8 ) في ( خ ) : " بقانون " . ( 9 ) في ( خ ) : " لأمر " بدل " لألم " .