تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
الثَّالِثِ ؛ لأَن الرَّجُلَ قَدْ يُحَرِّمُ الشيءَ لِلضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا أَنه لَيْسَ بتحريم في الحقيقة ( 1 ) ، فكذلك ها هنا لَا يُرِيدُ بِالتَّحْرِيمِ النَّذْرَ ( 2 ) ، بَلْ يُرِيدُ بِهِ التَّوَقِّي خاصة ( 3 ) ؛ أَي : إِني أَخاف عَلَى نَفْسِي العَنَتَ ، وَكَانَ هَذَا الْمَعْنَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - هُوَ مَقْصُودَ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . فَالْجَوَابُ : أَن مَنْ يَلْحَقُه الضرر وقتاً مّا بِتَناول شيءٍ ( 4 ) ، يُمْكِنُهُ أَن يُمسك عَنْهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ ؛ إِذ التارك ( 5 ) لأَمر لَا يَلْزَمُهُ أَن يَكُونَ محرِّماً لَهُ ، فَكَمْ مِنْ رَجُلٍ تَرَكَ ( 6 ) الطَّعَامَ الْفُلَانِيَّ ، أَو النكاح لأَنه في الْوَقْتِ ( 7 ) لَا يَشْتَهِيهِ ، أَو لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَعذار ، حَتَّى إِذا زَالَ عُذْرُهُ تَنَاوُلَ مِنْهُ ، وقد ترك صلّى الله عليه وسلّم أَكل الضَّبّ ( 8 ) ، وَلَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ مُوجِبًا لِتَحْرِيمِهِ له ( 9 ) . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَن الْمُرَادَ بِالتَّحْرِيمِ الظَّاهِرُ ، وأَنه لَا يَصِحُّ - وإِن كَانَ لِعُذْرٍ - ( 10 ) : أَن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ردَّ عَلَيْهِ بِالْآيَةِ ، فَلَوْ كَانَ وُجُودُ مِثْلِ تِلْكَ الأَعذار مُبِيحًا لِلتَّحْرِيمِ بِالْمَعْنَى الثَّالِثِ لَوَقَعَ التَّفْصِيلُ فِي الْآيَةِ بالنسبة إِلى من حرَّم لعذر أَو لغير عُذْرٍ . وأَيضاً فإِن الِانْتِشَارَ لِلنِّسَاءِ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ ؛ فإِن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الباءَة فَلْيَتَزَوَّجْ " ( 11 ) الْحَدِيثَ ؛ فإِذا أَحب الإِنسان قضاءَ الشَّهْوَةِ تَزَوَّجَ فَحَصَلَ لَهُ مَا فِي الْحَدِيثِ زِيَادَةً إِلى النَّسْل الْمَطْلُوبِ فِي المِلَّة ؛ فكأَن مُحرِّم مَا يَحْصُلُ بِهِ الانتشار ساعٍ في التشبه بالرهبانية ، فكان ( 12 ) ذَلِكَ مُنْتَفِيًا ( 13 ) عَنِ الإِسلام كَسَائِرِ مَا ذُكر في الآية .
هامش
( 1 ) في ( خ ) : " ليس بتحريم حقيقة " . ( 2 ) في ( ر ) : " التدين " بدل " النذر " . ( 3 ) قوله : " خاصه " سقط من ( خ ) . ( 4 ) في ( خ ) : " وقت ما يتناول شيئاً " . ( 5 ) في ( خ ) : " والتارك " بدل " إذ التارك " . ( 6 ) في ( ر ) : " يترك " . ( 7 ) علق رشيد رضا هنا بقوله : لعل الأصل : " في ذلك الوقت " ؛ أي الذي ترك فيه ما ذُكر . اه - . ( 8 ) تقدم تخريجه قريباً ( ص 217 ) . ( 9 ) قوله : " له " من ( ر ) فقط . ( 10 ) في ( خ ) : " تقدم " بدل " لعذر " . ( 11 ) أخرجه البخاري ( 1905 ) ، ومسلم ( 1400 ) . ( 12 ) في ( خ ) : " وكان " . ( 13 ) في ( ر ) : " منهياً " .