تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
وَفِي هَذَا الْقِسْمِ جاءَ التَّحْرِيضُ عَلَى الدَّوَامِ صَرِيحًا ، وَمِنْهُ كَانَ جَمْعُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النَّاسَ فِي رَمَضَانَ فِي الْمَسْجِدِ ( 1 ) ، وَمَضَى عَلَيْهِ النَّاسُ ؛ لأَنه كَانَ أَولاً سُنَّةً ثَابِتَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( 2 ) ، ثُمَّ إِنه أَقام لِلنَّاسِ بِمَا كَانُوا قَادِرِينَ عَلَيْهِ وَمُحِبِّينَ فِيهِ ، وَفِي شَهْرٍ وَاحِدٍ مِنَ السَّنَةِ لَا دَائِمًا ، وَمَوْكُولًا إِلى اخْتِيَارِهِمْ ؛ لأَنه قَالَ : وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفضل . وَقَدْ فَهِمَ السَّلَفُ الصَّالِحُ أَن الْقِيَامَ فِي الْبُيُوتِ أَفضل ، فَكَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ( 3 ) يَنْصَرِفُونَ فَيَقُومُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ : " نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ ! " ، فأَطلق عَلَيْهَا لَفْظَ الْبِدْعَةِ - كَمَا تَرَى - نَظَرًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِلى اعْتِبَارِ الدَّوَامِ ، وإِن كَانَ شهراً في السنة ، أَو أَنه ( 4 ) لَمْ يَقَعْ فِيمَنْ قَبْلَهُ عَمَلًا دَائِمًا ، أَو أَنه أَظهره فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ مُخَالِفًا لِسَائِرِ النَّوَافِلِ ، وإِن كَانَ ذَلِكَ فِي أَصله وَاقِعًا ( 5 ) كَذَلِكَ ، فَلَمَّا كَانَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الْقِيَامِ عَلَى الْخُصُوصِ وَاضِحًا قَالَ : " نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ ! " ، فَحَسَّنَهَا بِصِيغَةِ " نِعْم " الَّتِي تَقْتَضِي مِنَ الْمَدْحِ مَا تَقْتَضِيهِ ( 6 ) صِيغَةُ التَّعَجُّبِ ؛ لَوْ قَالَ : مَا أَحسنها مِنْ بِدْعَةٍ ! وَذَلِكَ يُخْرِجُهَا قَطْعًا عَنْ كَوْنِهَا بِدْعَةً . وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى جَرَى كَلَامُ أَبي أُمامة رضي الله عنه ( 7 ) مستشهداً
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 2010 ) من حديث عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ قال : خرجت مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ليلة في رمضان إلى المسجد ، فإذا الناس أوزاع متفرقون ، يصلي الرجل لنفسه ، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط . فقال عمر : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئٍ واحد لكان أمثل ، ثم عزم ، فجمعهم على أُبَيّ بن كعب . ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم ، قال عمر : نعم البدعة هذه ، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون ، يريد : آخر الليل ، وكان الناس يقومون أوّله . اه - . ( 2 ) يشير إلى حديث عائشة الذي أخرجه البخاري ( 729 ) ، ومسلم ( 761 ) في قيامه صلّى الله عليه وسلّم في رمضان ، وقيام أناس معه لما رأوه ، فصنع ذلك ليلتين أو ثلاثاً ، ثم لم يخرج لهم بعد ذلك ، وقال : " إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل " . ( 3 ) في ( ر ) و ( غ ) : " منهم كثير " . ( 4 ) في ( خ ) : " وأنه " . ( 5 ) في ( خ ) : " واقعاً في أصله " . ( 6 ) في ( ر ) و ( غ ) : " يقتضيه " . ( 7 ) الذي تقدم تخريجه ( ص 149 ) .
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 204 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي