السُّنَّةِ الَّتِي لَا مَقَالَ فِيهَا ؛ لِاجْتِمَاعِ الأَدلة عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ الْعَمَلِ ، إِذ قَدْ أُمر ، فَهُوَ غَيْرُ تَارِكٍ ، وَنُهِيَ عَنِ الْإِيغَالِ وإِدخال الْحَرَجِ ، فَهُوَ مُتَحَرِّز ، فَلَا إِشكال فِي صِحَّتِهِ ، وهو كان ( 1 ) شأْنَ القرن ( 2 ) الأَول وما بعده ( 3 ) ، وإِن لَمْ يُجْرِهِ عَلَى مَجْراه ، وَلَكِنَّهُ أَدخل فِيهِ رأْي الِالْتِزَامِ وَالدَّوَامِ ، فَذَلِكَ الرأْي مَكْرُوهٌ ابْتِدَاءً .
لَكِنْ فُهِمَ مِنَ الشَّرْعِ أَن الوفاءَ - إِن حَصَلَ - فَهُوَ - إِن شاءَ اللَّهُ - كَفَّارَةُ النَّهْيِ ، فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْقِسْمِ معنى البدعة ؛ لأَن الله تعالى مَدَحَ الْمُوفِينَ بِالنَّذْرِ ( 4 ) وَالْمُوفِينَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عَاهَدُوا ( 5 ) ، وإِن لَمْ يَحْصُلِ الوفاءُ تَمَحَّضَ وَجْهُ النَّهْيِ ، وربما أَثِمَ في الالتزام النَّذْرِيّ ( 6 ) ، ولأَجل احْتِمَالِ عَدَمِ الْوَفَاءِ أَطلق عَلَيْهِ لَفْظُ الْبِدْعَةِ ، لَا لأَجل أَنه عَمَلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، بَلِ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَائِمٌ .
وَلِذَلِكَ إِذا الْتَزَمَ الإِنسان بَعْضَ الْمَنْدُوبَاتِ الَّتِي يَعْلَمُ أَو يَظُنُّ أَن الدَّوَامَ فِيهَا لَا يُوقِعُ فِي حَرَجٍ أَصلاً - وَهُوَ ( 7 ) الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ الأَوجه الثَّلَاثَةِ المنبَّه عَلَيْهَا - لَمْ يَقَعْ فِي نهي ، بل في محض المندوب ( 8 ) ؛ كَالنَّوَافِلِ الرَّوَاتِبِ مَعَ الصَّلَوَاتِ ، وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ في آثارها ، وذكر اللسان ( 9 ) المُلْتَزَمِ بالعَشِيّ والإِبكار ، وَمَا أَشبه ذَلِكَ مِمَّا لَا يُخِلُّ بِمَا هُوَ أَولى ، وَلَا يُدْخِلُ حَرَجًا بِنَفْسِ الْعَمَلِ بِهِ وَلَا بِالدَّوَامِ عَلَيْهِ .
هامش
( 1 ) في ( غ ) : " كون " .
( 2 ) قوله : " القرن " سقط من ( م ) ، وفي ( خ ) : " السلف " بدل " القرن " .
( 3 ) في ( خ ) : " ومن بعدهم " .
( 4 ) في قوله تعالى : { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * } سورة الدهر : الآية ( 7 ) .
( 5 ) في قوله تعالى : { وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ . . . } إلى أن قال : { وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } سورة البقرة : الآية ( 177 ) .
( 6 ) في ( خ ) : " غير النذري " .
( 7 ) في ( ر ) : " وهذا " ، والظاهر أنها هكذا أيضاً في ( غ ) ، إلا أنها لم تتضح في مصورتها .
( 8 ) في ( خ ) : " المندوبات " .
( 9 ) في ( خ ) : " والذكر اللساني " .