خَلَلٍ فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ ، وَلَا فِي رُكْنٍ مِنْ أَركانها ، وإِنما كَانَ لأَجل الْخَوْفِ مِنْ أَمر متوقَّع ؛ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا : إِن النَّهْيَ عَنِ الْوِصَالِ إِنما كان رحمة بالأُمّة ، وَقَدْ وَاصَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْ تَبِعَهُ فِي الْوِصَالِ ( 1 ) كالمنكِّل ( 2 ) بِهِمْ ( 3 ) ، وَلَوْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إِليهم لَمَا فعل ( 4 ) .
فانظروا ( 5 ) كَيْفَ اجْتَمَعَ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ كَوْنُهُ عِبَادَةً وَمَنْهِيًّا عَنْهُ ، لَكِنْ بِاعْتِبَارَيْنِ . وَنَظِيرُهُ فِي الْفِقْهِيَّاتِ : مَا يَقُولُهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ فِي الْبَيْعِ بَعْدَ نداءِ الْجُمُعَةِ ، فإِنه نُهِيَ عَنْهُ ( 6 ) ، لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ بَيْعًا ، بَلْ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مَانِعًا مِنْ حُضُورِ الْجُمُعَةِ ، فَيُجِيزُونَ الْبَيْعَ بعد الوقوع ، ولا يجعلونه ( 7 ) فَاسِدًا ، وإِن وُجِدَ التَّصْرِيحُ بِالنَّهْيِ فِيهِ ، لِلْعِلْمِ بأَن النَّهْيَ لَيْسَ بِرَاجِعٍ إِلى نَفْسِ الْبَيْعِ ، بل إِلى أَمر يجاوره ، ولذلك يعلل جماعة ممن قال ( 8 ) بفسخ البيع بأَنه ( 9 ) زَجْرٌ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ ، لَا لأَجل النَّهْيِ عَنْهُ ، فَلَيْسَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ أَيضاً ، وَلَا النَّهْيُ رَاجِعٌ إِلى نَفْسِ الْبَيْعِ .
فالأَمر بِالْعِبَادَةِ شيءٌ ، وَكَوْنُ المكلَّف يُوفِي بِهَا أَوْ لَا شيءٌ آخَرُ . فَإِقْرَارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبد الله بن عمرو ( 10 ) رضي الله عنهما عَلَى مَا الْتَزَمَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا الْتَزَمَ ( 11 ) ، وَنَهْيُهُ إِيّاه ابْتِدَاءً لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ ، وإِلا لَزِمَ التَّدَافُعُ ، وَهُوَ مُحَالٌ . إِلا أَن هَاهُنَا نَظَرًا ( 12 ) آخَرَ ، وَهُوَ : أَن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَارَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كَالْمُرْشِدِ للمكلَّف ، وكالمتبرِّع ( 13 ) بِالنَّصِيحَةِ عِنْدَ
هامش
( 1 ) من قوله : " إنما كان رحمة " إلى هنا سقط من ( خ ) .
( 2 ) في ( خ ) : " كالتنكيل " .
( 3 ) تقدم تخريجه ( ص 193 ) .
( 4 ) في ( ر ) و ( غ ) : " فصل " .
( 5 ) في ( خ ) : " فانظر " .
( 6 ) قوله : " عنه " ليس في ( غ ) و ( م ) و ( ر ) .
( 7 ) في ( خ ) و ( م ) : " ويجعلونه " .
( 8 ) في ( خ ) : " يقول " .
( 9 ) في ( غ ) : " فإنه " ، وأثبتها رشيد رضا في طبعته : " لأنه " ، ثم استشكل العبارة ، فعلق على قوله : " للمتبايعين " فقال : " هذا نص نسختنا فليتأمل ! " . اه - ، مع أن الذي في نسخة ( خ ) - التي اعتمدها رشيد رضا - : " بأنه " كما هنا ! .
( 10 ) في ( خ ) و ( م ) : " فَإِقْرَارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ عمر " .
( 11 ) قوله : " دليل على صحة ما التزم " سقط من ( خ ) .
( 12 ) في ( خ ) : " نظر " .
( 13 ) في ( خ ) : " وكالمبتدع " .