شرح
الخمر أيتخذ خلا ، قال : " لا " . » وروي أيضا عن أنس « أن أبا طلحة سأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أيتام ورثوا خمرا ، قال : " أهرقها " ، قال : أفلا نجعلها خلا ؟ قال : " لا » .
وروى المزني أيضا في كتاب " العلل " : « أن أبا طلحة كان في حجره يتامى فاشترى لهم خمرا فنزل تحريم الخمر فسأل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك وقال : أفنخللها ؟ ، قال : " لا ، ولكن أهرقها » ، قال المزني : فلو كان التخليل جائزا لما أمره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالإراقة ، لأن فيها يضيع مال اليتيم ، بل كان يأمره بالتخليل خصوصا كان الخمر ليتامى . قالوا : أو لأن الصحابة أراقوها حين نزلت آية التحريم كما ورد في الصحيح ، فلو جاز التخليل لبينه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما بين لأهل الشاة الميتة على دباغها .
قلت : أما الجواب عن الحديث الأول : أن المعنى لا يستعملوها استعمال الخل بأن تؤدم ويوضع على المائدة كما يوضع الخل ، وهو نظير ما روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « أنه نهى عن تحليل الحرام وتحريم الحلال ، وأن يتخذ الدواب كراس » ، المراد الاستعمال . « ولما نزل قوله سبحانه وتعالى : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } [ التوبة : 31 ] ( التوبة : الآية 31 ) . قال عدي بن حاتم : ما عبدناهم قط ، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أليس كانوا يأمرون وينهون وتطيعونهم ؟ " ، قال : نعم ، فقال : " هو ذاك » فقد فسر الإلحاد بالاستعمال .
وأما عن الثاني : فقد أجاب الطحاوي - رحمة الله عليه - بأنه محمول على التغليظ والتشديد ، لأنه كان في ابتداء الإسلام كما ورد ذلك في سؤر الكلب ، بدليل أنه ورد في بعض طرقه الأمر بكسر الدبار وتقطيع الزقاق . ورواه الطبراني في " معجمه " حدثنا معاذ بن المثنى ، حدثنا مشدد حدثنا معتمر حدثنا ليث عن يحيى بن عباد عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - « عن أبي طلحة قال : قلت : يا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إني اشتريت خمرا لأيتام في حجري ؟ ، فقال : " أهرق الخمر واكسر الدنان " . »
وروى أحمد في " مسنده " حدثنا الحاكم بن نافع حدثنا أبو بكر بن أبي مريم عن حمزة بن حبيب عن ابن عمر : « أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شق زقاق الخمر بيده في أسواق المدينة » ، وهذا صريح في تغليظ الأمر ، لأن فيه إتلاف مال الغير ، وقد كان يمكنه الإراقة بدون كسر الدنان وشق الزقاق وتطهيرها ، ولكن قصد بإتلافها التشديد ليكون أبلغ في الردع ، وقد ورد عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه حرق بيت خمار ، كما رواه ابن سعد في " الطبقات " أخبرنا يزيد بن