تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
شرح
عن قتادة ، عن أنس : " أن أبا عبيدة ، ومعاذ بن جبل ، وأبا طلحة ، كانوا يشربون من الطلاء ماء ذهب ثلثاه ، وبقي ثلثه " . حدثنا أبو فضيل ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن ، قال : كان علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يرزقنا الطلاء ، فقلنا له : ما هيئته ؟ قال : أسود ، ويأخذه أحدنا بأصبعه . حدثنا وكيع عن سعيد بن أوس ، عن أنس بن سيرين ، قال : كان أنس بن مالك عقيم البطن فأمرني أن أطبخ له طلاء حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه ، فكان يشرب منه الشربة على أثر الطعام . حدثنا ابن نمير ، حدثنا إسماعيل عن مغيرة ، عن شريح عن خالد بن الوليد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : كان يشرب الطلاء بالشام ، فهذا كله يقتضي جواز شرب المطبوخ ، وقد قال صاحب " الاستذكار " : لا أعلم خلافا بين الفقهاء في جواز شرب العصير إذا طبخ فذهب ثلثاه وبقي ثلثه ، فعلمنا بدلالة هذه الآثار أن المراد من الحديث الذي رووه القدر المسكر لا للقليل منه توفيقا بين الآثار حتى لا يقع التضاد فيها ، فهذا كما رأيت أن الأكابر من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأهل بدر كعمر ، وعلي ، وغيرهما ممن ذكر فيما ذكرنا كانوا يحللون شرب النبيذ ، وكذا من بعدهم جماعة من التابعين الكبار كالشعبي وأمثاله . وكذا إبراهيم النخعي وأمثاله ، وكذا علقمة ، والأسود ، وابن أبي ليلى ، وعبيد الله بن عبد الله بن مسعود ، وسفيان الثوري مع ورعه وتقواه كان يشرب من النبيذ الصلب حتى تحمر وجنتاه . وعن وكيع : أنه كان يشرب في ليالي رمضان تقويا على العبادة . وقال في " شرح الأقطع " : وقد سلك بعض الجهال في هذه المسألة طريقة قصد بها التشنيع ، والفروق عند العوام لما ضاقت عليه الحجة ، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنه قال لبشر : ناس من أمتي يسمونها بأسماء طريق ، قال هذا القائل : وهم أصحاب أبي حنيفة ، وهذا كلام جاهل الأحكام ، والنقل ، والآثار ، أو متعصب قليل الورع لا يبالي بما قال . ثم يقال لهذا القائل : ما رميت بهذا القول أصحاب أبي حنيفة - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - ، وإنما رميت السلف الصالح ، أردت بذلك ، ولم يمكنك التصريح بذلك ؛ لأن أصحاب أبي حنيفة لم يبدعوا في ذلك قولا ، بل قالوا ما قال أئمة أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ووجوه التابعين وزهادهم . وكيف يظن بابن عمر ، وعلي وابن مسعود ، وابن عباس ، وعمار بن ياسر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ، وعلقمة ، والأسود ، وإبراهيم ، أنهم شربوا خمرا غليظا في اسمها حتى استدرك عليهم هذا القائل حقيقة الاسم ، والظن بنفسه ، ونسي الظن بسلفه أن هذا لجرأة في الدين .