تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
وعليه انعقاد إجماع الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -
شرح
كذا في " شرح الطحاوي " م : ( وعليه انعقد إجماع الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ) ش : أي على أنها حرام ، ويحد بشرب قليلها . كذا قاله الكاكي . والصواب أن يقال : أي وعلى الجلد انعقد الإجماع من الصحابة ؛ لأن بين انعقاد الإجماع على تحريمها فيما قضي من قريب وهو قوله : وقد جاءت السنة المتواترة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حرم الخمر ، وعليه انعقد الإجماع . قال الكاكي : وما حكي عن قدامة بن مظعون ، وعمرو بن معد كرب ، وابن حدل بن سهم ، بأنهم قالوا بحلها . فقد روى الجوزجاني بإسناده إلى ابن عباس : أن قدامة بن مظعون ، وعمرو بن مظعون شرب الخمر ، وقال له عمر : ما حملك على ذلك . فقال : إن الله سبحانه وتعالى يقول : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } [ المائدة : 93 ] وأتي بالمهاجرين الأولين من أهل بدر ، فقال عمر : أجيبوا الرجل . فسكتوا . فقال لابن عباس : أجبه . فقال : إنما أنزل الله عذرا للماضين لمن شربها قبل أن تحرم . ثم سأل عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عن الجلد فيها . فقال علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذا شرب هذى ، وإذا هذى افترى ، فعليه حد المفترين ثمانين جلدة . فجلده عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ثمانين ، فقال : أخطأت التأويل . وروي أن أناسا شربوا الخمر بالشام ، فقال لهم يزيد بن أبي سفيان : شربتم الخمر ، قالوا : نعم ، بقوله سبحانه وتعالى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا } [ المائدة : 93 ] الآية . فكتب فيهم إلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ، فكتب عمر : أن ابعثهم إلي سريعا لئلا يفتنوا عباد الله . فبعث بهم إلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فقال لعلي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - : ما ترى ؟ . فقال : أرى إن زعموا أنها حلال ، شرعوا في دين الله فاقتلهم ، وإن زعموا أنها حرام فاجلدوهم ثمانين . فجلدهم عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ثمانين . ورجعوا إلى تحريمها فانعقد الإجماع . انتهى . قلت : انعقاد الإجماع على تحريم الخمر كان قبل ذلك بالكتاب ، والسنن المشهورة . وهؤلاء الذين ذكرهم إنما شربوا الخمر متأولين بالآية المذكورة مع كونهم مخطئين في هذا التأويل . فلهذا قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لقدامة : أخطأت التأويل . ولم يكونوا مخالفين للصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - حتى يكون الإجماع وقت إقامة الحد عليهم على أن هذا الخبر لم ينته إلى الصحة . وقد رواه البيهقي في " سننه " من طريق سعيد بن عفير ، حدثنا يحيى بن فليح ، أخذ محمد ، عن ثور بن زيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - : " أن الشراب كانوا يضربون على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعني بالأيدي ، والنعال ، والعصي - " .