لما قدمنا من الحاجة ، إذ ليس كل أحد يهتدي إلى وجوه الخصومات ، وقد صح أن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكل فيها عقيلا وبعدما أسن وكل عبد الله بن جعفر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكذا بإيفائها واستيفائها ، إلا في الحدود والقصاص ، فإن الوكالة لا تصح باستيفائها مع غيبة الموكل عن المجلس
شرح
قالوا إنه وهم من وجهين ، أحدهما في تفسيره ؛ لأن السائر بمعنى الباقي لا بمعنى الجميع ، والثاني أنه أورد في الأجوف وهو مهموز العين ، وفي المثل السائر : اليوم وقد زال الظهر من سار ، يعني نفي يضرب لطالب الشيء من بعد اليأس منه .
قلت : ذكر الجوهري أيضا أن كونه من مهموز العين لغة م : ( لما قدمنا من الحاجة ) ش : أشار به إلى قوله - " لأن الإنسان قد يعجز . . . . " إلى آخره م : ( إذ ليس كل أحد يهتدي إلى وجوه الخصومات ، وقد صح أن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكل فيها عقيلا وبعدما أسن وكل عبد الله بن جعفر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ) ش : هذا أخرجه البيهقي عن عبد الله بن جعفر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال : كان علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يكره الخصومة ، وكان إذا كانت له خصومة وكل فيها عقيل بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، فلما كبر عقيل وكلني . وأخرج أيضا عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه كان وكل عبد الله بن جعفر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بالخصومة .
وقال الخصاف - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " أدب القاضي " : حدثنا معاذ بن أنس الخرساني ، قال : حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن محمد بن إسحاق ، عن جهم بن أبي الجهم ، أن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان لا يحضر الخصومة ، وكان يقول : إن لها قحما ويحضرها الشيطان ، فجعل علي الخصومة إلي ، فلما كبر ورق حولها إلي ، فكان علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يقول : ما قضى لوكيل وما قضى على وكيلي فعلي .
وفي " الفائق " : لكن [ . . . . . ] أنه وكل أخاه عقيلا بالخصومة ، ثم وكل بعده عبد الله بن جعفر وقال : لا يحضر الخصومة ويقول : إن لها قحما وإن الشياطين تحضرها إلى مهالك وشدائد ، وقحم الطريق ما صعب منه وشق على سالكه ، وفي هذا الحديث دليل أيضا على أن لا يحضر مجلس الخصومة بنفسه ، وهو مذهبنا ومذهب عامة العلماء لصنيع علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . وقال بعض العلماء : الأولى أن يحضر بنفسه ؛ لأن الامتناع من الحضور إلى مجلس القاضي من علامات المنافقين ، وقد ورد الذم على ذلك ، قال الله تعالى { وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ } [ النور : 48 ] ( النور : الآية 48 ) ، وفيه تأمل . م : ( وكذا ) ش : أي وكذا يجوز م : ( بإيفائها ) ش : أي بإيفاء الحقوق وهو أداؤها م : ( واستيفائها ) ش : أي وباستيفاء الحقوق وهو قبضها م : ( إلا في الحدود والقصاص ، فإن الوكالة لا تصح باستيفائهما مع غيبة الموكل عن المجلس ) ش : قيد به لأنه يجوز استيفاء القصاص والقذف في حضوره بإجماع الأئمة الأربعة ، وفي غيبته لا يجوز عندنا ، وبه قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في قول وهو نصه : ويقضي به القاضي الروياني من أصحابه