قال : كل عقد جاز أن يعقده الإنسان بنفسه جاز أن يوكل به غيره ؛ لأن الإنسان قد يعجز عن المباشرة بنفسه على اعتبار بعض الأحوال ،
شرح
هديته أو لكثرة أشغاله أو لكثرة ماله ، أو لضعفه أو لوجاهته لا يتولى الأمور بنفسه فاقتضى هذا المعنى جوازها .
م : ( قال ) ش : أي القدوري - رَحِمَهُ اللَّهُ - : م : ( كل عقد جاز أن يعقده الإنسان بنفسه جاز أن يوكل به غيره ) ش : هذه ضابطة يتبين بها ما يجوز للوكيل به وما لا يجوز ، واعترض عليها بأنها غير متطردة منعكسة .
أما الأول : فلأن الإنسان جاز له أن يستقرض بنفسه ، والتوكيل به باطل وتبع على المستقرض الذي هو التوكيل لا على الموكل ، والوكيل يعقد بنفسه ، وإذا وكل غيره ولم يؤذن له في ذلك لا يجوز له . والذي إذا وكل مسلما في الخمر لم يجز ، وجاز أن يعقد الذي بنفسه فيها .
وأما الثاني : فإن المسلم لا يجوز له عقد بيع الخمر وشراءها بنفسه ، ولو وكل ذميا بذلك جاز عند أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
والجواب عن الأول : أن محل العقد من شروطه كون المحل ملكا مشروطا كما عرف وليس بموجود في التوكيل بالاستقراض ؛ لأن الدراهم التي يستقرضها الوكيل ملك المقرض ، والأمر بالتصرف في ملك الغير باطل .
وفي " الذخيرة " : لو أخرج الوكيل كلامه في الاستقراض مخرج الرسالة ، بأن قال : فلان يستقرض منك كذا ، ففعل المقرض تكون الدراهم للآمر حتى لا يكون للوكيل أن يمنع ذلك منه ، ولو أخرج الكلام مخرج الوكالة بأن قال : أقرضني عشرة فالعشرة للوكيل ، وله أن يمنعها من الآمر ؛ لأن التوكيل بالاستقراض باطل ، بخلاف الرسالة ، والمراد من قوله " أن يعقده بنفسه " هو أن يكون مستبدا به ، والوكيل ليس كذلك ، والذي جاز له توكيل المسلم والممتنع توكيل المسلم عنه ليس كلامنا في ذلك لجواز أن يمنع مانع عن التوكيل ، وإن صح التوكيل فقد وجد المانع وهو حرمة اقتراضه منها .
والجواب عن الثاني : بأن العكس غير لازم وليس بمقصود .
م : ( لأن الإنسان قد يعجز عن المباشرة بنفسه على اعتبار بعض الأحوال ) ش : بأن يكون مريضا أو شيخا فانيا أو ذا وجاهة لا يتولى الأمور بنفسه ، والتوكيل صحيح بدون هذه العوارض ؛ لأن حكمة الحكم تراعى في الجنس لا في الإفراد كالسفر مع المسنة ، وبهذا يجاب عما قيل بأن قوله " لأن الإنسان قد يعجز " دليل أخص من المدلول وهو جواز الوكالة فإنها جائزة . وإن لم يكن ثمة عجز