باب الإحصار
شرح
ش : أي هذا باب في بيان حكم الإحصار أعقب باب الجنايات بباب الإحصار ؛ لأن فيه ما هو جناية في الحرم . الإحصار في اللغة : المنع من حصره إذا منعه ، والمحصر هو الممنوع ، تقول العرب : أحصر فلان إذا منعه خوف أو مرض من الوصول إلى أيام حجته أو عمرته ، وإذا حبسه سلطان قاهر تقول : حصر . وفي " المحلى " : الإحصار من عذر أو مرض أو كسر أو قطع طريق أو ذهاب نفقته أو رواحله ، وعندنا هو فائت الحج والإحصار بكل حابس ، وقال ابن المنذر في " الأشراف " : وهو مذهب ابن مسعود ، وعطاء ، والنخعي ، والثوري ، وأبي ثور . وقال الأترازي : هو قول ابن مسعود ، وابن عباس ، وعروة ، ومجاهد ، وعلقمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ، والحسن ، وسالم ، والقاسم ، وابن سيرين ، والزهري ، وأبي عبيد ، وأبي عبيدة ، وداود ، وأصحابه ، وهو قول عبادة ، والكلبي أيضًا .
وقال الفضل بن سلمة : وقال بعض الفقهاء : لا يكون إلا من عدو دون المرض ، وهو قول مخالف لقول مجتهدي الفقهاء ، ومذاهب العرب . قلت : هذا قول مالك ، والشافعي ، وإسحاق ، وأحمد في رواية على ما نذكره إن شاء الله تعالى . وفي " الأسبيجابي " و " الوتري " و " مناسك الكرماني " : اختلف العلماء في الإحصار في اثنين وستين موضعًا بعون الله تعالى ، ونحن نذكره مختصرًا .
الأول : أن الإحصار متحقق بكل مانع يمنع المحرم من الوصول إلى البيت لإتمام حجته ، أو عمرته من خوف ، أو مرض ، ومنع سلطان ، أو قاهر في حبس ، أو مدينة حديثة .
الثاني : أن المحصر لا يتحلل إلا بالذبح عندنا ، وبه قال الشافعي ، وأحمد ، وجمهور أهل العلم . وقال مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : لا هدي عليه إلا أن يكون معه هدي ساقه .
الثالث : يتحقق الإحصار في العمرة عند عامة أهل العلم ، وهو مذهبنا ، ذكره في " المبسوط " ، وغيره ، وذكر محب الدين الطبري عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنه لا يتحقق لعدم التأقيت ، وخوف الفوات ، وذكر ابن قدامة الحنبلي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنه قول مالك .
الرابع : لا يجوز ذبح دم الإحصار إلا في الحرم عندنا في الحج ، والعمرة . وقال أبو بكر الرازي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " أحكام القرآن " : هو قول ابن مسعود ، وابن عباس إن قدر عليه ، وعطاء ، وطاووس ، ومجاهد ، والحسن البصري ، وإبراهيم النخعي ، وسفيان الثوري . وقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، ومالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، وأحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - في العمرة يذبح هديه حيث أحصر ، وعن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - في الحج روايتان ، أحدهما : أنه يختص بيوم النحر .