تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
شرح
يعنون الأبد . وقال الكاكي : قال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ - : لا أدري ما الدهر ، لأن الناس يستعملونه بمعنى الحين والزمان ، وبمعنى الأبد ، ألا ترى أن معرفته على الأبد بخلاف الحين والزمان ، لأن معرفتهما ومنكرهما سواء يقال فلان دهري بضم الدال إذا كان معمرًا ، ودهري بالفتح إذا قال بالدهر وأنكر الصانع ، قال تعالى : حكاية عنهم { وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ } [ الجاثية : 24 ] ( الجاثية : الآية 24 ) ، فكان مجملًا ، فلم يقف على مراد المتكلم ، والترجيح بلا دليل لا يجوز ، فكان قوله لا أدري من كمال علمه وورعه . وروي أن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - سئل عن شيء ، فقال : لا أدري ثم قال : بعد ذلك طوبى لابن عمر سئل عن شيء لا يدري فقال : لا أدري . ثم قيل إنما قال لا أدري ثم قال بعد ذلك حفظًا للسانه عن الكلام في معنى الدهر ، فقد جاء في الحديث أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : « لا تسبوا الدهر ، فإن الله هو الدهر » ، معناه أنه خالق الدهر . وقد جاء في حديث آخر أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : حكاية عن الله عز وجل : « استقرضت من عبدي وأبى أن يقرضني وهو يسبني ولا يدري سب الدهر ويقول إنما أنا الدهر » وكما روي « أنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سئل عن خير البقاع فقال : لا أدري حتى أسأل ربي فصعد ثم نزل ، فقال : سألت الله عز وجل خير البقاع مساجدها ، وخير أهلها من يكون أول الناس دخولًا وآخرهم خروجًا » ، فعرفنا أن الوقت في مثل هذا من الكمال لا من النقصان ، كذا في " المبسوط " و " جامع فخر الإسلام " و " قاضي خان " . وقيل : وجه قول أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ - مع أن الدهر لا نص عليه عنه عن أحد من أهل اللغة ، ودلالة متعارضة فيجب التوقف فيه . ألا ترى إلى قَوْله تَعَالَى { وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ } [ الجاثية : 24 ] ( الجاثية : الآية 24 ) ، وإلى قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « لا تسبوا الدهر ، فإن الله هو الدهر » . ولهذا قال صاحب الحمرة : الدهر معروف . ثم قال : وقال يوم الدهر مدة الدنيا من ابتدائها إلى انقضائها وقال آخرون بل دهر كل قوم هو زمانهم . وقال ثعلب في " التتمة " : الدهر الزمان الليل والنهار لا خير لك . ثم أنشد : أهل الدهر إلا ليلة ونهارها . . . إلى طلوع الشمس ثم غبارها فلما لم يثبت العرف فيه لم يصح إلحاق الدهر والحين قياسًا ، لأن درك اللعان بالقياس لا يستقيم . ولهذا إذا ذكر الدهر معرفًا يقع على الأبد اتفاقًا على ظاهر الرواية بخلاف الحين والزمان ، ولو قال : لا أكلم حينًا فهو على ثمانين سنة عندنا ، وعند أحمد ، وعند مالك -