تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 659

مساهمون:

ص٦٥٩
شرح
والجواب : أن هذا حجة لنا ، لأنا نقول : سجدها داود - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - توبة ونحن نسجدها شكرًا لما أنعم الله على داود بالغفران والوعد بالزلفى وحسن المآب ، ولهذا لا نسجد عندنا . قوله : وأناب بل عقيب قوله مآب ، وهذا نعمة عظيمة في حقنا ، فكانت سجدة تلاوة ، لأن سجدة التلاوة ما كان سبب وجوبها إلا التلاوة ، وسبب وجوب هذه السجدة تلاوة هذه الآية التي فيها الإخبار عن هذه النعم على داود - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإطماعنا في نيل مثله ، وكذا سجدة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الجمعة الأولى وترك الخطبة لأجلها تدل على أنها سجدة تلاوة ، وأما تركه في الجمعة الثانية حين القراءة فلا يدل على أنها ليست بسجدة التلاوة ، بل كان يريد التأخير وهي لا تجب على الفور عندنا ، على أنه سجدها أيضًا وسجد الناس معه لما تشزنونه . وقوله تشزن الناس معناه هبوا للسجود وتهيؤوا له ، ومادته شين وزاي معجمتان ونون . واحتج : من لم ير السجود في المفصل وهو من سورة محمد إلى آخر القرآن منهم مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - بحديث رواه أبو داود « عن ابن عباس أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة » ولما رواه أبو داود أيضًا من حديث « زيد بن ثابت قال : قرأت على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النجم فلم يسجد فيها » وبما رواه ابن ماجة في " سننه " عن « أبي الدرداء قال : سجدت مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إحدى عشرة سجدة ليس فيها شيء من المفصل » الحديث . والجواب : عنها أما حديث ابن عباس فإسناده ليس بالقوي قال عبد الحق : ويروى مرسلا والصحيح حديث أبي هريرة « أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سجد في { إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ } [ الانشقاق : 1 ] وإسلامه متأخر قدم على النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في السنة السابعة من الهجرة » وقال ابن عبد البر : هذا حديث منكر ، وفي إسناده أبو قدامة الحارث بن عبيد الإيادي ليس بشيء ، وضعفه ابن معين ، وفيه أيضًا مطر الوراق كان سيئ الحفظ ، وقد عيب على مسلم إخراج حديثه . وأما حديث زيد بن ثابت ، فالجواب عنه : أنه محمول على بيان جواز ترك السجود عند من يقول : إنه سنة وليس بواجب ، وأما الذين يقولون بوجوبه ، فأجابوا عنه بأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يسجد على الفور ولا يلزم منه أنه ليس فيه سجدة ولا فيه نفي الوجوب .
البناية شرح الهداية — صفحة 659 | العيني