والاستخبار فوق التحري ، فإن علم أنه أخطأ بعدما صلى لا يعيدها ، وقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : يعيدها إذا استدبر لتيقنه بالخطأ ، ونحن نقول : ليس في وسعه إلا التوجه إلى جهة التحري والتكليف مقيد بالوسع .
شرح
م : ( فإن علم أنه أخطأ بعدما صلى لا يعيدها ) ش : أي الصلاة التي صلاها ، وبه قال مالك وأحمد والمزني م : ( وقال الشافعي : يعيدها إذا استدبر ) ش : وهو ظاهر مذهبه وقوله الآخر كمذهبنا . وفي " الحلية " : هو المختار ، وقيد بالاستدبار لأن في التيامن والقياس لا يعيد اتفاقا .
م : ( لتيقنه بالخطأ ) ش : وتمكنه من أداء الفرض بيقين ، فيعيدها كما لو تحرى في ثوبين ، أحدهما نجس ، ثم ظهر بعد الصلاة في أحدهما بالتحري أنه نجس فيها أنه يعيد الصلاة إجماعا ، وكذا التحري في الأواني .
قلنا : الاجتهاد يقوم مقام إصابة الكعبة عند العجز عن التوجه إلى عينها ، بخلاف الثوب النجس والماء النجس إذا تنجس ما أقيم مقامه الظاهر فظاهر . ولأن الحاجة إلى الاجتهاد في القبلة أمس إذ لولاه صحت الصلاة أصلا ، بخلاف الثوب والماء فإنه يمكنه أن يصلي عاريا وبالتيمم ، فللصلاة وجود بدونها .
م : ( ونحن نقول : ليس في وسعه إلا التوجه إلى جهة التحري ) ش : إذ ليس في وسع هذا المجتهد إلا التوجه إلى جهة التحري لأن المقصود من طلب الجهة رضاء الله عنه لا عين الجهة ، إلا إذا أمر بالطلب تحقق معنى الابتداء ، والابتداء قد تم بالتحري فسقط عنه ما لزمه من الفرض .
م : ( والتكليف مقيد بالوسع ) ش : قال الله تعالى { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } [ البقرة : 286 ] ( البقرة : الآية 286 ) . قال الأكمل : قيل هذا لا يصح جوابا للشافعي اه .
قلت : هذا هو كلام السغناقي ، فإنه قال : فإن قلت : هذا التعليل لا يكون جوابا كما ذكره الشافعي ، فإن له أن يقول : سلمنا أن التكليف مقيد بالوسع ، لكن هذا حال العمل ، فإن له أن يعمل حال توجه الخطاب بالعقل لما في وسعه ، ولا يأثم بما فعل عند ظهور الخطأ ، فأما إذا ظهر خطؤه يقينا فكان فعله كلا فعل في حق وجوب الإعادة ، كما في التحري في ثوبين أحدهما نجس ، فإنه يعيد الصلاة هنا .
وملخص جوابه بأن القبلة من قبيل ما يحتمل الانتقال لأنها انتقلت من بيت المقدس إلى الكعبة ومن الكعبة إلى الجهة ومنها إلى سائر الجهات إذا كان راكبا ، فإن فعل حيثما توجهت إليه راحلته فيعيد ما صلى إلى الجهة بالتحري إذا تحرك رأسه ، فينتقل فرض التوجه إلى تلك الجهة ، فكما يبدل الرأي فيه بمنزلة الفسخ فيعمل به في المستقبل ، ولا يعمل به بطلان ما مضى ، كما في النسخ الحقيقي ، بخلاف النجاسة ونحوها مما لا يحتمل الانتقال من محل إلى محل ، فلم يحركه العمل إلا بظاهر ما أدى إليه تحريه ، فإذا ظهر ما هو أقوى منه أبطله لأنه غير قابل للانتقال .