لأن سقوط حكم الاستعمال قبل الانفصال للضرورة ولا ضرورة بعده .
شرح
قلت : ذكر النحاة أن الكاف إذا كانت بعدها ما الكافة يكون لها ثلاثة معان : أحدها : تشبيه مضمون جملة لمضمون الأخرى ، كما كانت قبل الكف كتشبيه المفرد ، قال الله تعالى : { اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } [ الأعراف : 138 ] ( الأعراف : الآية 138 ) والثاني أن تكون بمعنى لعل ، حكى سيبويه عن العرب : انتظرني كما آتيك أي لعل ما آتيك ، قال رومة : لا تشتم الناس كما لا تشتم ، والثالث : أن تكون بمعنى قران الفعلين في الوجود نحو أدخل كما يسلم الإمام ، وكما قام زيد قعد عمرو ، الكاف في قوله : كما زائل عن العضو من هذا القبيل فالمعنى أن الماء يصير مستعملا مقارنا زواله عن العضو من غير توقف إلى استقراره في مكان .
وبعضهم قالوا : إن الكاف التي بعدها ما الكافة تكون بمعنى المبادرة أيضا نحو سلم كما تدخل وصل كما تدخل الوقت ذكره ابن الخيار والسيرافي ، ومع هذا قالوا : هو غريب وهذا في المعنى مثل قران الفعلين الذي ذكرناه ، ولم أر أن أحدا منهم قال : إن الكاف للمفاجأة بهذه العبارة وإن كان معناها قريبا بما ذكرنا .
م : ( لأن سقوط حكم الاستعمال ) ش : أي سقوط حكم كون الماء مستعملا م : ( قبل الانفصال ) ش : أي قبل انفصال الماء عن عضو المتوضئ م : ( للضرورة ) ش : أي لأجل ضرورة تعذر الاحتراز عنه م : ( ولا ضرورة بعده ) ش : أي عبد الانفصال وفي " المحيط " أن الماء إنما يأخذ حكم الاستعمال إذا زايل البدن ، والاجتماع في المكان ليس بشرط هذا هو مذهب أصحابنا .
قلت : بل نص عليه المصنف بقوله : الصحيح أنه كما زايل عن العضو صار مستعملا . وذكر في الأصل إذا مسح رأسه بما أخذه من لحيته لم يجز عندنا ، وكذا لو مسح على خفيه وبقي على كفه بلل فمسح به رأسه ، وكذا لو توضأ إنسان بالماء المتقاطر عن المتوضئ بأن يكون في موضع عال وهو يأخذ الماء من الهواء قبل وصوله إلى الأرض لا يجوز .
وفي " شرح الطحاوي " الماء وإنما يأخذ حكم الاستعمال إذا زايل البدن واستقر في مكان ، وبه قال سفيان الثوري وإبراهيم النخعي وبضع مشايخ بلخ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - ، وهو اختيار الطحاوي وبه كان يفتي ظهير الدين المرغيناني . وفي " خلاصة الفتاوى " المختار أنه لا يعتبر مستعملا ما لم يستقر في مكان ، وسكن عن التحرك .
فإن قلت : فعلى ما ذكر المصنف ينبغي أن ينجس ثوب المتوضئ الذي ينشف به إذا أصاب الماء . قلت : أجابوا بأن ذلك سقط للحرج .
فإن قلت : إذا أصاب ثوب غير المتوضئ ، قلت : قيل : هذا لا ضرورة فيه فينجس ، وقيل الضرورة في حق المتوضئ لا في حق المغتسل ؛ لأنه قليل الوقوع .