فيما لم يؤثر عنهم مسلك الاجتهاد
شرح
الثالث : أن تكون بيانا ، كأن قائلا يقول : كيف دعوتهم إلى سنن سننهم ؟ فقال : يسلكون .
م : ( فيما لم يؤثر عنهم ) ش : فإن قلت : ما موضع هذه الجملة في الأحوال الثلاثة ؟ .
قلت : أما الأول فالنصب ؛ لأن الموصوف منصوب على المفعولية ، وأما في الثاني فالنصب على الحالية ، وأما في الثالث فلا محل لها من الإعراب ، اللهم إلا إذا قدرنا مبتدأ محذوفا نحو : هم يسلكون ، فحينئذ يكون موضع " يسلكون " من الإعراب رفعا على الخبرية ، وقد علم أن الجملة لا تكتسب شيئا من الإعراب إلا إذا وقعت موقع المفرد ، فحينئذ إعرابه محلا .
ويسلكون : من سلك الشيء في الشيء فانسلك ، أي أدخله فيه فدخل ، ومصدره : سلك بفتح اللام . وأما السلك بكسر السين وسكون اللام فهو الخيط . والمعنى هاهنا : يدخلون فيما لم يؤثر عنهم أي عن الأنبياء - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - ، وهو على صيغة المجهول أي فيما لم يرو عنهم . وأصله من أثرت الحديث أثرته أثرا : إذا ذكرته عن غيرك ، ومنه : " حديث مأثور " : أي مسند ينقله خلف عن سلف . قال الأعشى :
إن الذي فيه تماريتما . . . بين للسامع والآثر
والأصل فيه الهمزة ، وقد تلين للتخفيف .
وكلمة " ما " : موصولة ، و " لم يؤثر " صلتها .
م : ( مسلك الاجتهاد ) ش : كلام إضافي منصوب على المفعولية : أي : طريق الاجتهاد . وهو اسم مكان من سلك . والاجتهاد : بذل الوسع والمجهود . وكذلك الجاهد ، وأصله من الجهد وهو الطاقة ، وكذلك بضم الجيم . ويقال : الجهد بالضم : المشقة . والاجتهاد ، عند الفقهاء : استفراغ الفقيه وسعه لتحصيل الظن بحكم شرعي .
وقيل الاجتهاد : بذل المجهود لنيل المقصود ، وفيه إشارة إلى أنهم لا يخرجون عن المأثور عن الأنبياء - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - ويتبعونهم فيه ، ولا يعدلون إلى الاجتهاد إلا فيما لم يرد عنهم ، فحينئذ يأخذون في ذلك طريق الاجتهاد ، وهو أيضا في نفس الأمر علم بالأثر كما في « قضية معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال : لما بعثني النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى اليمن قال : " كيف تقضي إن عرض قضاء ؟ " ، قال : قلت : أقضي بما في كتاب الله عز وجل ، قال : " فإن لم يكن في كتاب الله ؟ " ، قال : قلت : بما قضى به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قال : فإن لم يكن قضى به الرسول ؟ " ، قال : قلت : أجتهد رأيي ولا آلو ، قال : فضرب صدري وقال : " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله » أخرجه البيهقي