وأخلفهم علماء إلى سننهم بينهم داعين
شرح
وقوله : " هادين " : من الهداية ، وهي الدلالة الموصلة إلى البغية . وأصله أن يتعدى باللام أو بإلى ، كقوله تعالى : { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } [ الإسراء : 9 ] ( الإسراء : الآية 9 ) ، { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ الشورى : 52 ] ( الشورى : الآية 52 ) ، فجار مجرى ، وقَوْله تَعَالَى : { وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا } [ الأعراف : 155 ] ( الأعراف : الآية 155 ) ، وقال الجوهري : يقال : هداه الله للذين هدى . وقَوْله تَعَالَى : { أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ } [ السجدة : 26 ] ( السجدة : الآية 26 ) . قال أبو عمرو بن العلاء : أو لم يبين لهم . وهديت الطريق ، والبيت هداية : أي عرفته ، هذه لغة أهل الحجاز ، وغيرهم يقول : هديته إلى الطريق وإلى الدار ، حكاها الأخفش ، وهدى واهتدى بمعنى .
وقال الكاكي في شرحه : هداه إلى الطريق : إذا أعلمه أن الطريق في ناحية كذا ، وهداه إلى الطريق : إذا ذهب به إلى رأس الطريق : أي أذهبه إلى المقصد ، وذلك لا يتحقق إلا من الله تعالى ، وهداه إلى الطريق : أعلمه أن الطريق في ناحية كذا ، وهي وظيفة الرسول - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وهداه إلى الطريق : ذهب به وأوصله إلى رأس الطريق . واعترض عليه الشيخ قوام الدين - رَحِمَهُ اللَّهُ - بأن هذا الفرق غير صحيح ، لعدمه في سائر قوانين اللغة .
قلت : هذا اعتراض صادر من غير تأمل ، وذلك لأن الفرق المذكور إنما هو لسبب الاستعمال ، والفارق ما ادعى أن ذلك بحسب اللغة وإن ادعى ذلك فلا يمنع ؛ لأن الذي ذكره هو حاصل المعنى اللغوي .
م : ( وأخلفهم علماء ) ش : عطف على قوله : " وبعث رسلا " ، وهي جملة من الفعل والفاعل ، وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى الله تعالى . و " أخلف " مفعولان : أحدهما : الضمير ، أعني : هم ، والآخر هو قوله " علماء " . والمعنى : جعل العلماء خلفاء الأنبياء - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - وورثتهم .
وقال الشيخ قوام الدين الأترازي - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وأخلفهم علماء : من قولهم : خلفت الثوب : أصلحته وجعلت موضع الخلفان خلفانا ، وهذا التفسير غير مرضي بل التفسير الصحيح ما ذكرناه ؛ لأن مراده بيان أن العلماء خلفاء عن الأنبياء في بيان الشرائع ، فحينئذ لا يفسر قوله : وأخلفهم إلا من قولهم : أخلف زيد عمرا : إذا جعله خليفة ؛ لا من الثوب : إذا أصلحته . يقال : خلف فلان فلانا : إذا كان خليفة وخلفه في قومه خلافة ، ومنه قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي } [ الأعراف : 142 ] ( الأعراف : آية 142 ) . وأخلفه غيره : إذا جعله خليفة له ، وكذلك استخلفه .
م : ( إلى سننهم بينهم داعين ) ش : الجار والمجرور متعلق ب " داعين " . والسنن بفتح السين