تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
شرح
فإن قلت : الشهداء أحياء عند الله ، والصلاة إنما شرعت على الموتى . قلت : هم أحياء في حكم الآخرة ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } [ آل عمران : 169 ] ( آل عمران : 169 ) ، لا في أحكام الدنيا والصلاة عليهم من أحكام الدنيا كسائر الموتى ، ولهذا يقسم ميراثهم بين ورثتهم ويتزوج نساؤهم وتحل ديونهم المؤجلة ويعتق أمهات الأولاد ومدبروهم وينفذ وصاياهم ، ثم هم يدفنون ، فدل ذلك كله أن الحياة لهم عند الله بعد الموت . فإذا قلت : قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - : لعل ترك الصلاة لاستغنائهم مع التخفيف على من بقي من المسلمين . قلت : هذا التعليل لا يقبل ؛ لأن الصلاة على الميت دعاء له ، ولا يستغني أحد عن الدعاء كما ذكرناه ، وكذلك التعليل بالتخفيف ، فإنهم يتممون إلقاءهم ويحضرون قبروهم ويكلفون دفنهم . فإن قلت : الصلاة على الميت من باب الشفاعة ، والشهداء يشفعون للناس ولا يحتاجون إلى من يشفع لهم . قلت : الصلاة عليهم زيادة كرامة لهم ، وقضاء لحق الميت ، وقد أشار المصنف إلى هذا المعنى بقوله : والصلاة على الميت لإظهار كرامته ، وقد استوفينا الكلام هناك ، وقد ظهر من هذا أن ما ذهبنا إليه أرجح من وجوه عديدة ؛ الأول : أن الخبر المثبت في هذا أولى من النافي . الثاني : أن أحاديثنا أكثر فكانت أولى ، قال محمد في " السير الكبير " : أخذنا بما أجمع عليه أهل العراق دون ما انفرد به أهل المدينة ، فرجح بالكثرة . فإن قلت : هذا خلاف ظاهر مذهبكم ، فإن الترجيح بالكثرة لا يعتبر عندكم . قلت : قد ذكر بعض مشايخنا الترجيح بكثرة الرواة ؛ إذ الظن بصدق خبر الاثنين أقوى منه بخبر الواحد . الثالث : أن الصلاة على الموتى أصل في الدنيا وفرض من فروض الكفاية على المسلمين ، فلا يسقط من غير فصل أحد . الرابع : لو كانت الصلاة عليهم غير مشروعة ، كما في عموم تنبيهه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على عدم مشروعيتها ، وعلة سقوطها كما نبه على علة سقوط غسلهم . الخامس : يجوز أنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لم يصل عليهم ، وصلى عليهم غيره لما كان به من الجراحات ، وكسور رباعيته وما أصابه يومئذ من المشركين .