تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
شرح
وروى الطحاوي عن ابن عباس وابن الزبير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - « أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على شهداء أحد مع حمزة ، وكان يؤتى بتسعة لتسعة ، وحمزة عاشرهم فيصلي عليهم ، وكبر يومئذ سبع تكبيرات » . قال : وقد صلى على غيرهم ، كما روى بشير بن الهاد « أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطى أعرابيا أسلم نصيبه ، وقال : قسمته لك ، فقال : ما على هذا اتبعتك ، ولكن ابتعتك على أن أرمى هاهنا - وأشار إلى حلقه - بسهم فأموت فأدخل الجنة ، ثم أتي بالرجل قد أصابه سهم حيث أشار فكفن في جبة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فصلى عليه ، فكان من صلاته أن هذا عبد خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا ، أنا أشهد عليه فلم يغسله وصلى عليه » ورواه النسائي أيضا . وأخرج الطحاوي هذا الحديث لمعنيين أحدهما : لأنه شاهد لما ذكره من الدلائل في إثبات الصلاة على الشهيد . والثاني : ردا على من زعم أنه لم ينقل عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه صلى على أحد ممن قتل في المعركة في غير غزوة أحد . فإن قلت : لم لا يجوز أن تحمل الصلاة في الأحاديث التي ورد فيها الصلاة على الدعاء ؟ وممن قال ذلك ابن حبان والبيهقي . قلت : يدفع هذا قوله في الحديث الذي رواه عقبة بن عامر المذكور صلاته على الميت . فإن قلت : أنتم لا ترون الصلاة على القبر بعد ثلاثة أيام ، فكيف يحملون عليه على معنى الصلاة العرفية ، وقد كانت واقعة أحد في سنة ثلاث من الهجرة ، وصلاته - عَلَيْهِ السَّلَامُ - على شهداء أحد حين خروجه من الدنيا بعد وقعة أحد في سبع سنين . قلت : المذهب عندنا الصلاة على القبر يجوز ما لم يتفسخ ، والشهداء لا يلحقهم تفسخ ، أحياء عند الله ؛ فإذا لا يجوز حمل الصلاة عليهم على معنى الدعاء ، وكيف يجوز هذا وقد أكد قوله صلاته على الميت لنفي احتمال المحال . فإن قلت : قال ابن قدامة : حديث عقبة مخصوص بشهداء أحد ، فإنه صلى عليهم في القبور وهم لا يرون الصلاة على القبر أصلا ، ونحن فيما بعد الشهر . قلت : إذا ثبت أنه صلى على شهداء أحد صحت الصلاة عليهم بعدم القائل بالفرق ، وقوله : " وهم لا يرون الصلاة على القبر " غير صحيح ، فإذا دفن الميت ولم يصل عليه صلى على قبره ما لم يتغير كما ذكرناه . فإن قلت : الصلاة على الميت لا تصح بلا غسل فما لم يغسل الشهيد لا تصح الصلاة عليه . قلت : وكذا لا يدفن بلا غسل ، فلما دفن الشهيد بلا غسل دل على أنه في حكم المغسولين ، فكانت الصلاة عليه صلاة على المغسول حكما ، وهو مغسول بصب رحمة الله تعالى .