نستكثر على من كانت هذه حالته أن يروي عن الرسول خمسمائة حديث من
سنته ! ! لقد رواها بنفسه ، وسمعها بنفسه ، وكتبها بنفسه ، بمعدل أقل من 22
حديثا كل عام ، وأقل من حديثين كل شهر ، وهذا يعني أنها كانت صحيحة
وصادرة عن رسول الله قطعا ، ومحفوظة وبعيدة عن التحريف لأنه قد استودعها
عند ابنته ككنز خوفا عليها من الضياع ، وبعد أن انتقل الرسول إلى جوار ربه
وانقطع الوحي ، وبعد أن استولى على منصب الخلافة ، صار لا ينام الليل من
وجود هذه الأحاديث ! ! ! ووصفت لنا السيدة عائشة ابنة الخليفة حالته بقولها :
" . . . جمع أبي الحديث عن رسول الله ( ص ) ، وكانت خمسمائة حديث ،
فبات ليلته يتقلب كثيرا قالت فضمني ، فقلت أتتقلب لشكوى أو لشئ
بلغك ؟ فلما أصبح قال : أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك ، فجئته بها ،
فدعا بنار فأحرقها ! ! فقلت لم أحرقها ؟ قال : خشيت أن أموت وهي عندي
فتكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت ، ولم يكن كما حدثني
فأكون قد نقلت ذلك " انتهى النص ( 1 ) .
السيدة عائشة تؤكد بأن أباها قد جمع الحديث عن رسول الله وتؤكد
أن عدد الأحاديث كان خمسمائة حديث ، وأن هذه الأحاديث ، فلما
أصبح طلب الأحادث التي سمعها من رسول الله بنفسه وكتبها بخط يده ،
ثم دعا بنار فأحرقها أمام السيدة عائشة ، حتى الآن فإن وقائع الرواية
متماسكة ، ومتفقة مع توجهات الخليفة ، ومنسجمة مع المرسوم الذي
أصدره بعد توليه لمنصب الخلافة ، ومع أمره للمسلمين " بأن لا يحدثوا شيئا
عن رسول الله " ، بل وتتناغم مع الواقع ومع نفسية الخليفة الرقيقة ،
فالتصرف قد حدث بعد توليه منصب الخلافة ، وأثناه الفترة التي كان فيها
غاضبا من الإمام علي ومن أهل بيت النبوة الذين رفضوا بيعته بدعوى أنهم
هامش
( 1 ) تذكرة الحفاظ ج 1 ص 5 ، وكنز العمال ج 10 ص 285 ، وتدوين القرآن ص 370 .