لذلك قرر الإمام أن يقعد في بيته ، وأن يحتج على الانقلابيين
احتجاجا سلميا لا يفرق كلمة المسلمين ، ولا يوهن الدين ، ثم يسلم بالأمر
الواقع ما سلمت أمور المسلمين
وهكذا ابتعد الإمام عن المواجهة غير المتكافئة ، إذ لو واجههم بالقوة
لقتلوه ، وقتلوا ابنيه ، وأبادوا أهل بيت النبوة ، وقلعوا شجرة النبوة من
جذورها ، ثم لأشاعت وسائل أعلامهم بأن عليا وابنيه مثل أبي طالب ماتوا
على الشرك ، فهم في ضحضاح من النار مع أبي طالب ! ! ومع الأيام تنجح
وسائل أعلامهم بتحويل الشائعات إلى قناعة يتبناها العامة ، كأنها وحي من
السماء ، وصمم الإمام علي أن يبدأ بتكوين قاعدة شعبية تفهم الإسلام على
حقيقته كما أنزله الله وبينه الرسول لتتصدى وتكشف ألاعيب الطامعين
بالسلطة وتحريفاتهم ، ولتكون نواة لأمة محصنة ضد الانحراف ، وكعمل
عاجل ركز الإمام على إيجاد كوادر فنية يعلمها ما أمكن من علم النبوة لتنقله
إلى الأجيال اللاحقة من غير تحريف ، فلبد في بيته ، يجيب إذا سئل ،
ويهدي إذا استهدي ، وصبر وصابر على ضغوط الانقلابيين وممارساتهم
الغاشمة وتجاهلهم التام لشرع الله .
1 - فقد حرموا أهل بيت النبوة من إرث النبي بحجة أن الأنبياء لا
يورثون ( 1 ) فسألت السيدة الزهراء أبا بكر من يرثك إذا مت ؟ فقال أبو بكر
ولدي وأهلي ! فقالت الزهراء : فما لنا لا نرث النبي ؟ ! " وورث سليمان داود "
" يرثني ويرث من آل يعقوب " فكيف نوفق بين قولك الأنبياء لا يورثون وبين
هاتين الآيتين ! ! هذا كتاب الله ينطق بالحق ، ولم تكتف الزهراء بذلك بل
بسطت قضيتها أمام الأنصار والمهاجرين بكلمة عصماء جاء فيها : " . . أفعلى
هامش
( 1 ) صحيح الترمذي ج 7 ص 111 ، ومسند أحمد ج 1 ص 10 ح 60 ، وسنن الترمذي ج 7 ص 1009 ،
والطبقات لابن سعد ج 5 ص 77 ، وتاريخ ابن الأثير ج 5 ص 286 ، وكنز العمال ج 5 ص 365 ،
والطبقات ج 2 ص 315 .