تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 6193

مساهمون:

ص٦١٩٣
بذلك الشيء ، أو من شيء يختصُّ ذلك الشيء بالكتاب . فما في قوله ما وجبَ مفعولٌ نثبتُ ، وفاعلُ وجب قولُه أن يثْبُتَ ، وفاعل أن يَثْبُتَ ضميرٌ مُسْتكنٌّ فيه ، عائدٌ إلى ما في قوله : ما وجبَ ، فمعنى ما فسرَّ به قولَهُ : { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ } ما أغْفلنا شيئًا منه بتركِ كتابِته ، وتركِ إثباتِ ما يجبُ إثباتُه من الأشياء التي لنا اختصاصٌ بها ، أو من الأشياء التي لذلك الكتابِ اختصاصٌ بها ، بل أثبتْنا في الكتاب كلَّ شيء من الأشياء التي يجبُ إثباتها ، ولنا بها اختصاصٌ ، هذا على أن نختصُّ بالنونِ أو من الأشياء التي للكتابِ بها اختصاصٌ ، على أن يختصَّ بالياء التحتيةِ ، فيحصُلُ من هذا الكلام تقييدُ ما هو ثابتٌ في اللوح المحفوظِ بقيدين : الأول [ 3 ] : أن يكون مما يجبُ إثباته . والثاني : أن يكون مما يختصُّ به الله - سبحانه - على تقدير أن قوله نختصُّ بالنون ، أو يكون مما يختصُّ به الكتابُ أي اللوحُ المحفوظُ على تقدير أن قولَه يختصُّ بالياء التحتيةِ ، فهذان القيدانِ اللذانِ قيَّد الزمخشري - رحمه الله - كلام الله تعالى بهما لا بد أن ينتهضَ عليهما دليلٌ مرضٍ يدلُّ على أن مرادَه - سبحانه - بقوله : { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ } أي من الأشياء التي يجبُ إثباتها ، ولنا بها اختصاصٌ ، أو للكتاب بها اختصاصٌ ، فإنْ وجَدْنا هذا الدليلَ فبها ونِعْمَتْ ، وإن لم نجده فلا خلافَ أن كلامَ الله - سبحانه - لا يجوز تقييدُهُ لمجرَّدِ الرأي . فإن قلت : ماذا تقول أنتَ هل لهذا التقييدِ من دليل يتعيَّن علينا قبولُه ، ويلزمُنَا تقييدُ كلامِ الله بهِ ؟ قلت : أما قيدُ الوجوبِ فهو إما أن يكون الوجوبُ على الله - سبحانه - أو على ملائكته ، أو على سائر عباده لا يصحُّ أن يُرادَ الوجوبُ على عبادِه ، لأنهم لا يتَّصلونَ باللوح المحفوظِ ، فضلاً عن أن يكتبونَ فيه ، فضلاً عن أن يجبَ عليهم إثبات شيء فيه ، ولا يصحُّ أن يُرادَ الملائكةُ ، لأنهم يفعلُون ما يؤمرون ، وليس لهم من الأمرِ شيءٌ ، ولا لاختيارِهم مدخلٌ في ذلك .