تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 6194

مساهمون:

ص٦١٩٤
إذا تقرر هذا فلم يبق هاهنا إلا أن يكون الوجوبُ على الله - سبحانه - . وقد تقرر في علم الكلام أن إثباتَ الواجباتِ على الله تعالى هو مذهبٌ ذهبتْ إليه المعتزلةُ دون مَنْ عَدَاهُم ( 1 ) ، على أنهم حصروا الواجباتِ على الله سبحانه في ثمانٍ مبيَّنةٍ
هامش
( 1 ) وذلك أن المعتزلة بناء على قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين أوجبوا على الله تعالى أمورًا وحرموا عليه أخرى بمحض عقولهم قياسًا لله على العبيد وبئس القياس . فما أوجبوا عليه ، رعاية الصلاح للعباد ، والثواب على الطاعة ، والعقاب على المعصية ، وسموا ذلك عدلاً . وخالفهم في مذهبهم هذا جماهير المسلمين فقالوا : لا يجب على الله شيء بل له أن يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد . فقد قال الحافظ في ( الفتح ) ( 11 / 490 ) : - في شرح حديث عبد الله بن مسعود وقد تقدم - واستدل به على أنّه لا يجب على الله رعاية الأصلح خلافًا لمن قال به من المعتزلة لأن فيه أن بعض الناس يذهب جميع عمره في طاعة الله ، ثم يختم له بالكفر - والعياذ بالله - فيموت على ذلك . فيدخل النار فلو كان يجب عليه رعاية الأصلح لم يحبط جميع عمله الصالح بكلمة الكفر التي مات عليها ، ولا سيما إن طال عمره وقرب موته من كفره . قال ابن القيم في ( مدارج السالكين ) ( 2 / 338 ) : فعليك بالفرقان في هذا الموضع الذي افترقت فيه الفرق والناس فيه ثلاث فرق : ? فرقة رأت : أن العبد أقل وأعجز من أن يوجب على ربه حقًا ، فقالت : لا يجب على الله شيئًا البتة ، وأنكرت وجوب ما أوجبه الله على نفسه . ? وفرقة رأت : أنّه سبحانه أوجب على نفسه أمورًا لعبده فظنت أن العبد أوجبها عليه بأعماله . ? والفرقة الثالثة : أهل الهدى والصواب : قالت : لا يستوجب العبد على الله بسعيه نجاة ولا فلاحًا ، ولا يدخل أحد عمله الجنة أبدًا والله تعالى بفضله وكرمه أكد إحسانه وجوده بأن أوجب لعبده عليه حقًّا بمقتضى الوعد فإن وعد الكريم إيجاب ، ولو بعسى ولعل ، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنه عسى من الله واجب . ? ويقول ابن تيمية في ( اقتضاء الصراط المستقيم ) ( 2 / 785 - 786 ) : لا ريب أن الله جعل على نفسه حقًّا لعباده المؤمنين كما قال تعالى : { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } [ الروم : 47 ] . وكما قال تعالى : { كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } [ الأنعام : 54 ] ، وفي الصحيحين - البخاري رقم ( 5967 ) ، ومسلم رقم ( 30 ) - أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل وهو رديفه : « يا معاذ ما حق الله على عباده ؟ » قلت : الله ورسوله أعلم . قال : « حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا . أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ » قلت : الله ورسوله أعلم . قال : « حقهم عليه أن لا يعذبهم » فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق . وقد اتفق العلماء على وجوب ما يجب بوعده الصادق ، وتنازعوا : هل يوجب بنفسه على نفسه ؟ على قولين : ومن جوز ذلك احتج بقوله سبحانه : { كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } وبقوله في الحديث الصحيح : « إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا » - تقدم تخريجه - . وأمّا الإيجابُ عليه سبحانه وتعالى ، والتحريم بالقياس على خلقه فهذا قول القدرية ، وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول ، وأهل السنة متفقون على أنّه سبحانه خالق كل شيء ومليكه وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئًا . ولهذا كان من قال على الله شيئًا ، كما يكون للمخلوق على المخلوق ، فإنَّ الله هو المنعم على العباد بكل خير ، فهو الخالق لهم ، وهو المرسل إليه الرسل ، وهو الميسر لهم الإيمان ، والعمل الصالح . . . ) ) .