تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 6148

مساهمون:

ص٦١٤٨
وقد صرَّحوا بذلك في قولهم [ 1 ] : جعل الغوايةَ مركبًا ، وامتطى الجهلَ ، واقتعدَ غارِبَ الهوى . . . انتهى . وكل ناظر يعلم أن المحكومَ عليه في كلامه هذا بكونه مثلاً هو معنى الاستعلاء ، وليس في مثل هذا نزاعٌ ، ولا هو بموضوع اشتباهٍ ، فإنه كلام على معنى الاستعلاء الذي عَنْونَ به كلامَهُ ، وعقد البحث عليه . ولا شك ولا شبهةَ أن هذا الاستعلاءَ الذي ذكره هنا وتكلَّم عليه هو متعلَّق معنى الحرف المذكور في الآية الكريمةِ ، أعني ( على ) ، وليس فيها ما يفيد هذا المعنى قطُّ غيرُهُ . فالزمخشريُّ قد حكم على متعلَّق هذا المعنى الحرفي بأنه مَثَلٌ لتمكُّنِهم من الهدى ، واستقرارهم عليه ، وتمسُّكِهم به . ثم زاد المقامَ إيضاحًا وبيانًا بأن متعلِّق ذلك المعنى الحرفيِّ استعارةٌ تمثيليةٌ ، فقال : شُبِّهَتْ حالُهم بحالِ منِ اعتلى الشيء وركبَه ، فلم يبقَ شكٌّ حينئذٍ في مرادهِ ومعنى كلامِه ، بل وضوحُه غنيٌّ عن البيان ، فإنه لم يستغنِ بالحكم على المعنى الحرفي بكونِه مثلاً حتى فسَّر ذلك المثلَ بأنه تشبيهُ الحالةِ بالحالة . وإذا تقرر لك أن المحكومَ عليه بكونه مثلاً هو متعلَّق ذلك المعنى الحرفي فأنت لا يخفى عليك أن الاستعارةَ في متعلَّق معاني الحروف تبعيةٌ ، كما صرَّح به علماء البيانِ تصريحًا يستغني عن البيان . ( 1 ) .
هامش
( 1 ) قال محيي الدرويش في ( إعراب القرآن الكريم وبيانه ) ( 1 / 26 ) : ( الاستعارة التصريحية التبعيّة في قوله : { عَلَى هُدًى } تشبيهًا لحال المتقين بحال من اعتلى صهوة جواده فحذف المشبه واستعيرت كلمة ( على ) الدالة على الاستعلاء لبيان أنَّ شيئًا تفوق واستعلى على ما بعدها حقيقة نحو : زيد على السطح ، أو حكمًا نحو : عليه دين فالدين للزومه وتحمله كأنّه ركب عليه وتحمله والدقة فيه أن الاستعارة بالحرف ويقال في إجرائها : شبه مطلق ارتباط بين هدى ومهدي بمطلق ارتباط بين مستعلٍ ومستعلى عليه بجامع التمكن في كل منها فسرى التشبيه من الكليات إلى الجزئيات ثم استعيرت ( على ) وهي من جزئيات المشبه به لجزئي من جزئيات المشبه على طريق الاستعارة التصريحية التبعية ومثل الآية الكريمة قوله : لسنا وإن أحسابنا كرمت . . . يومًا على الآباء نتكل