تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 6149

مساهمون:

ص٦١٤٩
وعند هذا تعلمُ مطابقةَ ما شرحه السعدُ في حاشيته لهذا الكلام المشروحِ ، فإنه قال ما لفظه : ومعنى الاستعلاء مَثَلٌ أي : تمثيلٌ ، وتصويرٌ لتمكُّنِهم من الهدى ، يعني أن هذه الاستعارةَ تبعيةٌ تمثيلاً . أما التبعيةُ فَلِجَرَيانِها أولاً في متعلَّق معنى الحرف ، وتبعيُتها في الحرفِ . وأما التمثيلُ فلكون كلٍّ من طرفي التشبيهِ حالةً منتزعةً من عدةِ أمورٍ ، لأنه شُبِّهَتْ حالُهم في الاتصاف بالهدى على سبيل التمكُّن والاستقرارِ بحال من اعتلى الشيءَ وركبَه ، فتكون الصفة بمنزلة المركوب . . . انتهى . ( 1 )
هامش
( 1 ) قال الشريف في حاشيته على ( الكشاف ) ( 1 / 110 ) : اعلم أنَّ قوله : { عَلَى هُدًى } يحتمل وجوهًا ثلاثة : الأول : ما مرَّ من تشبيه تمسُّكهم بالهدى باستعلاء الراكب . الثاني : أنَّ تشبيه هيئة مُنتزعة من المتَّقي والهدى وتمسُّكه به بالهيئة المنتزعة من الراكب والمركوب واعتلائه عليه فيكون هناك استعارة تمثيلية مُركَّب كل من طرفيها ، لكنه لم يُصرح من الألفاظ التي هي بإزاء المُشبَّه به إلاَّ بكلمة ( على ) ، فإنَّ مدلولها هو العمدة في تلك الهيئة ، وما عداه تبعٌ له يُلاحظُ معه في ضمن ألفاظ منوية ، وإن لم تكن مقدَّرة في نظم الكلام ، فليس حينئذٍ في ( على ) استعارةً أصلاً ، بل هي على ما لها قبل الاستعارة ، كما إذا صرَّح بتلك الألفاظ كلها . الثالث : أن يُشبَّه الهدى بالمركوب على طريقة الاستعارة بالكناية ، وتُجعل ( على ) قرينة لها على عكس الأول كما اختاره الإمام السكَّاكي ، وحينئذ فمن اعتبر في طرفي التشبيه تلك الهيئة الوحدانية وحكم بأنَّ الاستعارة تبعية ، فقد اشتبه عليه الوجه الأول بالثاني ، وقد تمادي في ذلك مَنْ ادَّعى تكرُّرَه في الكشاف وهو بريء منه ، وتوهَّم أنَّ عبارة المفتاح في تقرير الاستعارة التبعية في ( لعلَّ ) بيِّنةٌ في اجتماع التبعية والتمثيلية فيما ادَّعاه ، وليس فيها إلا أنه شبَّه حال المكلَّف بحالة المُرتجى ، والحال أعمُّ من المفرد والمُركَّب ، كما لا يخفى . فإن قلت : إذا جُوِّز في التمثيل أن يكون طرفاه مفردين مع تركُّب وجهه ؛ أمكن أن يُجامع الاستعارة التبعية في الحروف والأفعال . قلتُ : نعم , لكن الحق اسْتلزم التمثيل تركُّبُ طرفيه , فإن المتبادَرَ من قولهم : التمثيل ؛ ما وجهه مُتنوعٌ من عدَّة أمور في كل من الطرفين , وإنْ أمكن أن يراد انتزاعه من أمور هي أجزاؤه كما في الهيئة المنتزعة التي تجعل مشبَّهة أو مشبَّهًا به , لا يُقال : تركُّب طرفيه واجبٌ بحسب المعنى , وأما بحسب اللقظ قلا , إذْ ربما يُطلق لفظ واحد على قصة , كقوله تعالى : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } [ البقرة : 17 ] ؛ لأنَّا نقول : المراد بكون المعنى مُفرَدًا : أن يُلاحظ ملاحظةٍ واحدة في ظمن لفظ واحد , سواء لم يكن له أجزاء متعدِّدة لُحظت دفعة إجمالاً , ويكون المعنى مركَّبًا : أن يلتفت إلى أشياء عدَّة ؛ كل على حدة , ثم يُضمُّ بعضها إلى بعض , وتصير هيئة وحدانية , وكل معنى ذي أجزاء عُبِّر عنه بلفظ واحد لم تكن تفاصيلها ملحوظةٍ ولم تعد مركَّبًا , وأما التشبية بالمثل فلا يُعني شيئًا , فإن الحالة المختصَّة المشَّبهة إنما تُفهم من ألفاظ مقدَّرة , أي مثلهم بما ذكر من إظهار الإيمان وإبطان الكفر وما يترتَّب عليه من الخداع المستتبع للمنافع , كما أن الحالة المشبَّه بها تثقهم من جميع الألفاظ المذكورة ههنا . قوله - أي الزمخشري - : ( نحوه : هو على الحق ) تجري فيه الوجوه الثلاثة ؛ أي السابقة . قوله - أي الزمخشري - : ( وقد صرَّحوا بذلك . . . ) لما ذكر أن كلمة ( على ) مستعارة للتمسُّك بالهدى ؛ لوم من ذلك تشبيه الهدى ونظائره بالركوب , وربما تبادَر إلى بعض الأذهان استبعاده , فأزاله بأن هذا التشبيه فيما ذكرناه ضمني غير مقصود من الكلام , وقد صرَّحوا به في مواضع أُخَر ؛ وجعلوه مقصودًا منه . أما في صورة التشبيه كما في قولهم : جعل الغواية مركبًا , فإنه في قوة قولك : الغواية مركب ؛ أي كالمركب . وأما في صورة الاستعارة كما في قولهم : اقتعد غارب الهوى , فقد شبه الهوى بالمطيَّة على طريقة الاستعارة المكنية . اه - .
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 6149 | محمد بن علي الشوكاني / أبو مصعب « محمد صبحي » بن حسن حلاق