تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4326

مساهمون:

ص٤٣٢٦
بد أن يكون القاضي المدعو إليه على الصفة التي [ 2 أ ] قدمنا من العلم بالشريعة التي هي الكتاب والسنة وما يلتحق بهما ، وهو لا يعلم بكتاب الله حتى يعرف محكمه ومتشابهه ، وناسخه ومنسوخه ، وعامه وخاصه ، ومجمله ومبينه ، ومطلقه ومقيده ، وتنزيله وتأويله ( 1 ) ، ولا يعرف ذلك إلا نحارير العلماء ، على أن فهم مدلول تركيباته المشتملة على المسائل الشرعية لا يتم إلا بعد معرفة لغة العرب على الصفة التي كانت عليها ، وذلك يتوقف على معرفة علم اللغة ، والنحو والصرف ، والمعاني والبيان ، كما أن بعض الأوصاف السابقة لا يعرف إلا بمعرفة علم الأصول ، ومعرفة ما قاله علماء الصحابة فمن بعدهم في تفسير آيات الكتاب العزيز ، وبيان أسباب النزول ، وتاريخ الوقائع ، وهكذا معرفة السنة المطهرة تتوقف على ما يتوقف عليه معرفة الكتاب العزيز من العلوم ، مع زيادة البحث عن أحوال الرواة ، ومعرفة من يجوز العمل على روايته ومن لا يجوز ، وما يكون به الحديث صحيحًا ، أو حسنًا ، أو ضعيفًا ، أو موضوعًا . ولا يعرف ذلك إلا من يعرف علوم الحديث معرفةً يفهم بها هذا الشأن ، وهذا عندي هو العقبة الكؤود ، فإن أقدام العلماء فيه متفاوتة غاية التفاوت ، فمنهم من لا يفهمه ولا يهتدي إليه ، ومنهم من يأخذ منه بقدر فهمه . وأما بلوغ [ 2 ب ] درجة التحقيق فيه والإتقان له فقليل جدًا ، خصوصًا في ديارنا هذه ، فإن وجود من يعرف الأمهات الست فضلاً عن غيرها قليل جدًا ، مع أن التوسع في معرفة السنة المطهرة لا بد منه لمن يدعي أنه يقتدر على الحكم بين المتخاصمين بما في الكتاب والسنة ؛ لأن دليل المسألة قد يوجد في كتاب ولا يوجد في كتاب آخر ، فإن كثيرًا من المسائل التي تقع فيها الخصومة لا يوجد دليلها في الأمهات الست ، وهو موجود في غيرها من المسانيد والمستدركات والمستخرجات ونحوها . هذا يعلمه كل باحث عن الأدلة ، وناظر في مواطنها ، فإذا اختصم الرجلان إلى قاض يعلم بما في الأمهات الست ،
هامش
( 1 ) انظر " أدب القاضي " ( ص 19 - 25 ) ، " تبصرة الحكام " ( 1 / 11 ) .